26 سبتمبر.. هي أنا
أنا رجل في منتصف الخمسين من عمري. لم أكن هناك يوم انفجرت ثورة 26 سبتمبر 1962، لم أسمع طلقاتها الأولى في صنعاء، ولم أرَ وجه السلال وهو يعلن الجمهورية من الإذاعة.
لكني كنت هناك دائمًا. كنت هناك في حكاية أبي.
أبي الذي تلقى تعليمًا محدودًا للغاية، لأن التعليم في زمن الإمام كان حكرًا وليس حقًا. كان يقول لي: يا ولدي، كنا نعُد النجوم ولا نعرف نقرأ أسماءنا. كان يخاف أن يلبس ساعة، لأن الإمام سيقول عنه إنه يتكبر على المسلمين. كان يمشي حافيًا وأرضه كلها خير.
أنا ابن 26 سبتمبر، حتى وإن ولدت بعدها بعشر سنوات.
26 سبتمبر تعني أنني أستطيع أن أكتب هذا المقال الآن وأنت تقرأه.
تعني أن ابني دخل المدرسة والجامعة، وابنتي أصبحت معلمة وطبيبة، بينما جدتي ماتت وهي لا تعرف هل القرآن كتاب واحد أم عدة كتب، لأنهم كانوا يمنعون عنها العلم ليظلوا هم وحدهم العلماء.
نحن الجيل الذي وقف في الوسط.
سمعنا من آبائنا عن بيت الطاعة والرهينة، وكيف كان الجندي يأخذ دجاجة الفقير غصبًا باسم الإمام، ورأينا بأعيننا الجمهورية وهي تتعثر، تضعف، تفسد أحيانًا، لكنها تظل جمهورية.
كانوا يقولون لنا إن الإمام كان يوزع العدل. كذبوا.
أبي كان يقول: كنا إذا مرض أحدنا، نذهب للفقيه ليكتب لنا حجابًا، لأن المستشفى كان فقط للإمام وأولاده في تعز. واليوم، رغم كل خراب المستشفيات، هناك مستشفى أستطيع أن أطرق بابه.
26 سبتمبر بالنسبة لي ليست نشيدًا في الإذاعة، ولا علمًا يرفع في المدرسة. هي كرامتي.
هي أنني لم أعد أقبل يد أحد لأنه يدعي أنه من نسل السماء وأنا من نسل التراب. كلنا من تراب. علمنا إياها 26 سبتمبر.
أنا اليوم في منتصف الخمسين، وأبكي كلما جاء 26 سبتمبر.
يبكي جيلنا لأننا نعرف الثمن. نحن آخر جيل سمع من أفواه عاشت العبودية مباشرة، وأول جيل قد يرى أولاده يعودون إليها إن نسينا.
لذلك، 26 سبتمبر ليست ذكرى نحتفل بها يومًا ونطويها.
26 سبتمبر هي بطاقة هويتي.
عندما يسألني أحد من أنا؟ أقول: أنا يمني جمهوري، ابن فلاح كان حافيًا، علّمه سبتمبر أن يقول "لا".
وهذه الـ"لا" سأورثها لابني، حتى لو لم أورثه شيئًا آخر.
كل عام وسبتمبر في قلوبنا، كل عام ونحن أحرار.



