الجمعة 25 سبتمبر 2026

حامٍ يبحث عن حماية

حين يصبح الحامي نفسه باحثًا عن حماية، فاعلم أن منظومة الحماية كلها قد اختلت، وهذا هو الوضع العام اليوم، وليس حالة يمنية فقط، بل حالة عربية بامتياز. المملكة العربية السعودية تحمل لقبًا عظيمًا هو حامي الحرمين، وهي بحكم ثقلها الديني والجغرافي والاقتصادي حامية للعالم العربي والإسلامي، لكنها في نفس الوقت ومنذ عقود طويلة تبحث عن حماية استراتيجية لدى أمريكا والغرب، في التسليح والدفاع الجوي والتحالفات، ولذا فالحامي الإقليمي الأكبر يبحث عن حامٍ دولي أكبر منه، وهذا ليس عيبًا في هذا الزمن، فلا دولة في العالم تحمي نفسها وحدها، حتى أمريكا نفسها تحتمي بحلف الناتو، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحماية من حاجة مؤقتة، الهدف منها بناء الذات، إلى حالة دائمة للبقاء على الكرسي.

وفي اليمن تتكرر نفس الصورة بشكل أوضح وأكثر وجعًا، فالشرعية اليمنية التي من المفترض أن تحمي المواطن اليمني من الجوع والحرب والفوضى، ذهبت تطلب الحماية من دول هي نفسها تبحث عن حماية أمريكا والغرب، فصارت حماية على حماية، وفاقد الشيء لا يعطيه، المواطن يريد من يحميه، فوجد من يطلب منه الحمايه، ولذلك فقدت الشرعية كثيرًا من شرعيتها الشعبية وشرعيتها القانونيه في الداخل، رغم أنها تملك الشرعية الدولية.
وعلى الضفة الأخرى يقف الحوثي الذي يرفع شعار السيادة ورفض الوصاية، وهو فاقدها، وهو يبحث عن حماية سياسية عبر سلطنة عمان التي تاريخيًا محمية بعلاقات خاصة مع بريطانيا، ويبحث عن حماية عسكرية واستراتيجية لدى إيران، وإيران نفسها اليوم محمية بمظلة روسية صينية في مجلس الأمن وفي سوق السلاح والنفط، فصارت هي الأخرى حلقة في نفس سلسلة الحماية المتسلسلة.
وهكذا نعيش جميعًا في سوق كبيرة للحماية، كل دولة حامية لجارتها الضعيفة، ومحمية من دولة أقوى منها، ولا يوجد حامٍ مطلق على الأرض إلا الله سبحانه وتعالى جلت قدرته.

الفرق الوحيد بين حامٍ ناجح وحامٍ فاشل، ليس في أنه يطلب الحماية أم لا، فالكل يطلبها، الفرق في لماذا يطلبها، الحامي الناجح يطلب الحماية ليشتري وقتًا يبني فيه مصنعه وجيشه ومدرسته واقتصاده حتى يأتي يوم يستغني فيه عن حماية غيره، والحامي الفاشل يطلب الحماية ليدفع فاتورتها من سيادة وطنه ويبقى على كرسيه فقط، ولهذا ربما بدأت دول الخليج في السنوات الأخيرة تفهم اللعبة، وتحاول الخروج من الحماية المطلقة إلى الحماية المتنوعة عبر توطين السلاح وتنويع الاقتصاد وعدم وضع كل البيض في سلة أمريكا وحدها. أما اليمن فلن يخرج من هذه السوق إلا إذا ظهر ذلك الطرف الذي يبني حمايته من الداخل، بجيش وطني راتبه من دولته لا من خارجها، واقتصاد يطعم الناس، وعدالة تحمي الضعيف من القوي، عندها فقط لن نحتاج أن نستورد حاميًا من الخارج، لأن الحامي الحقيقي سيكون هو الوطن نفسه.