الخميس 24 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • ثورة 26 سبتمبر: بوصلة اليمن الوجودية

ثورة 26 سبتمبر: بوصلة اليمن الوجودية

لم تكن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة مجرد حادثة طارئة في سجلات الملاحم السياسية، أو تبديل عابر لراية براية، بل كانت زلزالًا وجوديًا جرف ركام القرون، وانبعاثًا حضاريًا كليًا أعاد صياغة الإنسان اليمني من غسق الذهول إلى ضياء الوعي. فهي اللحظة الفارقة التي نفضت فيها اليمن عن كاهلها غبار دهر كئيب من العزلة الممنهجة، والجهل المكرس، والفقر المصلت كالسيف، لتخط بدم الأحرار ونور الفكرة فصلًا جديدًا أطلت منه بلاد السعيدة على العصر الحديث، مستردة كرامتها الآدمية المسلوبة تحت وطأة الحكم الاستبدادي السلالي، وكأنها تجسد روح تلك العاطفة الجياشة التي عبر عنها شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني حين قال مبتهجًا بهذا الانعتاق:

ولقد توجت تلك الليلة السبتمبرية الخالدة مسيرة مريرة من التضحيات والأنات، واختزلت في مجراها المتدفق أحلام أجيال من الأحرار والتنويريين والشهداء الذين قضوا في ثورات وانتفاضات متعاقبة، حتى استوت الفكرة في عقول ثلة من الضباط الأحرار بقيادة الضابط الشاب الشهيد علي عبدالمغني، مسنودين بحاضنة شعبية وتوق جارف للحرية.
ومع أولى الرصاصات التي دكت معاقل الإمامة في صنعاء، تصدع جدار الزيف الذي قيد عقول اليمنيين لقرون، وتهاوت نظرية «الحق الإلهي» المزعومة التي كرست الطبقية والاستعلاء البشري، وحلت محلها وثيقة إنسانية سامية صاغتها أهداف الثورة الستة، وفي طليعتها التحرر من الاستبداد وإقامة حكم جمهوري عادل يذيب الفوارق بين الطبقات. وهنا تجلى صوت أبو الأحرار محمد محمود الزبيري هادرًا، ليختزل ببيته الخالد كفاح الشعب الذي حطم قيوده صائحًا:
وتتجلى القيمة الإنسانية الكبرى لهذه الثورة في كونها انحازت انحيازًا مطلقًا لآدمية المواطن البسيط، فلم يعد اليمني مجرد تابع مسلوب الإرادة في دوامة الفقر والإقصاء، بل غدا شريكًا أصيلًا في صياغة سفر الوطن، حيث غدت الثورة هي المدرسة التي فتحت أبوابها ليزول أمية العقول، والمشفى الذي ضمد جراح السنين، والمحفل الذي تساوت فيه الرؤوس بعد طول انحناء.
وعلى الرغم من قسوة التحديات وضراوة المؤامرات التي حاولت وأد الجمهورية في مهدها، فقد قيض الله لهذه الثورة سندًا قوميًّا نبيلًا، إذ سارعت جمهورية مصر العربية، بقيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، إلى تقديم دعم عسكري وسياسي سخي فور قيام الثورة عام 1962، ليمتزج الدم المصري بالدم اليمني في معركة تثبيت أركان النظام الجمهوري الوليد خلال سنواتها الأولى. وعندما تحولت مجريات السياسة الدولية عقب نكسة 1967، واضطرت القوات الشقيقة للانسحاب، واجه اليمنيون اختبارهم الوجودي الأكبر والأنقى في حصار السبعين يومًا الرهيب حول العاصمة صنعاء في أواخر عام 1967.
هناك، تجسد الوفاء العسكري والسياسي الشامل في سواعد اليمنيين أنفسهم، حيث صنع صمود الجمهوريين الأبطال وبسالة المقاومة الشعبية فارقًا تاريخيًا حسم معركة البقاء، ودحر الحصار بمفردهم وبقوافل تضحياتهم، ليعلنوا للعالم أن الجمهورية ولدت لتبقى، وأن فجر سبتمبر لا يمكن أن يعود إلى الوراء.
واليوم، وفي ظلال الذكرى الرابعة والستين لهذه الملحمة الخالدة، يمر اليمن الجمهوري بمنعطف تاريخي استثنائي وأعقد تحدياته الراهنة منذ عقود، إذ عادت مشاريع الارتداد عن مكتسبات النظام الجمهوري لتطل برأسها من جديد عبر ممارسات تجريف الهوية الوطنية الممنهجة، ومحاولات إحياء الفوارق المذهبية والطبقية التي دفنها الأحرار في جوف الأرض.
يواجه اليمن اليوم حربًا فكرية واجتماعية شرسة تستهدف طمس المعالم السبتمبرية، وتفخيخ عقول الأجيال الناشئة بثقافة التبعية، ناهيك عن التمزق السياسي، والانهيار الاقتصادي، والمعاناة الإنسانية الشاملة.
وهنا تتجلى المفارقة الأكثر دهشة، ومكمن القوة الحقيقي الذي يبعث على الأمل، إذ يصطدم هذا النفق المظلم بالإصرار الأسطوري لشباب اليمن القابعين في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي. ففي تلك المناطق تحديدًا، حيث تسطر المقاومة السلمية والوعي العارم أبهى صورهما، وبالرغم من حملات الملاحقة والتضييق الخانقة، وسياسة الترهيب والاعتقالات التعسفية الواسعة التي تطال كل من يجرؤ على رفع علم الجمهورية أو الكتابة عنها، يتحدى الشباب آلة القمع بصدور عارية وإرادة لا تلين.
ففي العاصمة المختطفة صنعاء، وفي حواري إب العريقة، وبلدات ذمار وعمران وسفوح حجة، يصر المواطنون على تحويل ليلة سبتمبر إلى تظاهرة رفض عارمة، يوقدون الشعلة على أسطح المنازل، ويرفعون راية الوطن في المركبات، وينشدون الأناشيد الوطنية في تحدٍ صارخ لمنطق القوة والترهيب.
إن هذا الاحتفاء الشعبي الشجاع في عمق مناطق السيطرة الحوثية يثبت للعالم أجمع أن الوعي السبتمبري بات متأصلًا في جينات هذا الجيل كعقيدة لا تقبل الاجتثاث، وأن رص الصفوف تحت راية المواطنة المتساوية واستعادة الدولة هو خيار شعبي حتمي لا رجعة عنه.
إن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر لم تكن مجرد صفحة طويت في سجلات الماضي، بل هي عقيدة وطنية متجددة تنبض في عروق الأجيال المتعاقبة.
إن أربعة وستين عامًا من عمر الجمهورية، ورغم عاصفة الارتداد الراهنة، تؤكد أن الوعي الذي انبثق في ذلك الفجر الخالد لا يمكن أن ينطفئ، وأن كل محاولات إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء ستتحطم —كما تحطمت بالأمس— على صخرة الصمود السبتمبري اليماني.

سيبقى سبتمبر هو البوصلة والضياء، والعهد الذي قطعه الأحرار بأن تظل راية الجمهورية خفاقة، واليمن حرًا، عربيًا، شامخًا، ومستقلًا.