26 سبتمبر.. ماذا يريدون أن يتذكر اليمنيون؟
بعد أربعة وستين عامًا، لم يعد الخلاف على 26 سبتمبر خلافًا على ما جرى في صنعاء عام 1962. صار السؤال أشد حساسية من ذلك: ماذا يُراد لليمنيين أن يتذكروا من تلك الثورة؟ وماذا يُراد لهم أن ينسوا؟
قد يبدو الأمر شأنًا من شؤون المناسبات الوطنية، لكن ما يحدث على الأرض يقول شيئًا آخر. ففي الأسبوع الأخير من سبتمبر 2025 اعتقلت سلطات الحوثيين عشرات الأشخاص في مناطق سيطرتها، لأنهم احتفلوا بذكرى الثورة أو كتبوا عنها في وسائل التواصل الاجتماعي، كما وثقت هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر مطلع أكتوبر من العام نفسه، وأشارت المنظمة إلى أن الجماعة ترى في 21 سبتمبر 2014، يوم سيطرتها على صنعاء، المناسبة الأجدر بالاحتفال. ولم تكن تلك الاعتقالات الأولى من نوعها، إذ ذكر التقرير أنها تتكرر في هذا التوقيت منذ سنوات، ثم عادت إليها المنظمة في إحاطة نشرتها في أغسطس الماضي.
وقبل ذلك بسنوات كان التغيير قد بدأ من الفصل الدراسي. ففي عام 2021 نشر منتدى سلام اليمن، التابع لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، ورقة تستند إلى رصد منصة «صدق» لتعديلات المناهج في مناطق الحوثيين، جاء فيها أن دروسًا عن محمد محمود الزبيري وعلي عبدالمغني استُبدلت بدروس عن أئمة زيديين حكموا اليمن، وأن 21 سبتمبر 2014 صار يوصف بأنه «ثورة». أما منهج الصف الثامن فحُذف منه كل ما يتصل بثورة 1962، وحُذفت معه دروس عن دور الدولة والسلطات الثلاث ومفهوم الحكم الاستبدادي.
حذفُ درسٍ عن الاستبداد من كتاب مدرسي يختصر القضية كلها. نحن أمام معركة على الذاكرة: من يروي التاريخ للأجيال الجديدة، ومن يقرر ما يدخل في الرواية وما يخرج منها؟
ولكي نعرف ما الذي يُراد إخراجه من الرواية، يحسن أن نعود إلى ما حدث فعلًا. في 26 سبتمبر 1962 أُطيح بنظام الإمام محمد البدر وأُعلنت الجمهورية العربية اليمنية، ثم دخل الشمال في حرب أهلية امتدت إليها أدوار إقليمية. هذه هي الوقائع، وهي لا تحتاج إلى تزيين. وقيمة ثورة سبتمبر تتجاوز لحظة الإعلان إلى التحول الذي أحدثته في شكل الحكم، من إمامة تُورَّث إلى جمهورية يُفترض أن يكون الحكم فيها شأنًا عامًا، ومعها دخل مفهوما الدولة والمواطنة إلى القاموس السياسي لليمنيين.
وعلينا أن نكون صريحين مع الجيل الجديد. التجربة الجمهورية لم تكن كاملة؛ فقد عرفت العقود التي تلت الثورة الاستبداد والفساد، وعرفت اقتتالًا بين الجمهوريين أنفسهم، وفشلت الحكومات المتعاقبة في بناء مؤسسات مستقرة تفي بما وعدت به. ثم إن تلك الحكومات نفسها انتقت من التاريخ ما يناسبها، فاحتفت بوقائع وسكتت عن أخرى، وقدّمت رموزًا وأهملت غيرهم.
نقد التجربة شيء، وإسقاط الفكرة شيء آخر. الدولة يمكن إصلاحها، والفاسدون يمكن محاسبتهم، والمؤسسات يمكن أن يُعاد بناؤها. ما لا يمكن إصلاحه من داخل الفكرة الجمهورية هو أن يصبح الحق في السلطة امتيازًا يولد مع صاحبه، وهذا ما يوحي به استبدال دروس الزبيري وعبدالمغني بدروس الأئمة في كتب الأطفال.
غير أن هذا الكلام كله يصل إلى شاب وُلد في سنوات الحرب، لم يرَ الإمامة ولم يعش ظروف الثورة. ما عاشه هو النزوح وانقطاع الرواتب، ثم بلد مقسوم بين سلطات تتنازعه. وهذه حصيلة إخفاقات متراكمة، بعضها يعود إلى الحكومات الجمهورية، وكثير منها صنعته الحرب التي بدأت عام 2014 وما جرّته من تدخلات. لن يكفي أن نقول لهذا الشاب كل عام إن 26 سبتمبر ثورة عظيمة. من حقه أن يسأل: ماذا تعني لي الجمهورية اليوم؟ وسؤاله يستحق جوابًا أقرب إلى حياته من المفاهيم الكبيرة.
الجمهورية، بلغته هو، أن يتقدم لوظيفة أو ترقية دون أن يُسأل عن أسرته ونسبه. وأن يكتب منشورًا ينتقد فيه من يحكمه، أو يرفع علمًا في ذكرى وطنية، ثم يعود إلى بيته آمنًا في المساء. الذين اعتُقلوا في سبتمبر من العام الماضي لم يطلبوا أكثر من هذا، وفي قصتهم جواب عن سؤاله أوضح من أية خطبة. وإذا أردنا أن نحافظ على ثورة سبتمبر، فالأولى أن نحفظ معناها قبل طقوس الاحتفال بها.
وما يعيشه هذا الشاب اليوم سيصير غدًا جزءًا من ذاكرته عن بلده، والذاكرة الوطنية لا تُصنع في كتب التاريخ وحدها. إنها تتشكل في المدرسة، وفي ما يقوله الإعلام وما تتداوله المنصات الرقمية، وفي المناسبات التي نحتفل بها والشخصيات التي نقدمها للصغار رموزًا. ولذلك فإن تغيير رواية التاريخ عمل له ما بعده؛ فالطفل الذي يتعلم أن تاريخ بلاده يبدأ من حدث بعينه، وأن حدثًا آخر لا يستحق الذكر، سيكبر وفي رأسه يمن مختلف.
من هنا يصبح الخلاف على 26 سبتمبر أعمق من خلاف على تاريخين في التقويم. إنه خلاف على اليمن الذي سيتذكره أبناؤنا: دولة يتساوى فيها الناس أمام القانون، أم سلطة تُفسَّر فيها الحقوق السياسية على أساس الأصل والانتماء؟ وهو سؤال سيجيب عنه المستقبل.
وأسوأ ما يمكن أن نقدمه لهذا المستقبل جواب جاهز نكرره كل عام. فحين يحدث ذلك، تصير ثورة سبتمبر أشبه بتمثال في ساحة عامة، يُزار في المناسبات، ويُنظَّف ويُزيَّن بالأعلام، ثم يُترك حتى العام التالي، وتصير ذكراها يومًا في التقويم تُردَّد فيه الأناشيد نفسها والعبارات نفسها. والثورة التي تُعامَل على هذا النحو تتحول مع الوقت إلى ذكرى، مهما صدقت النوايا.
السؤال في الذكرى الرابعة والستين إذن يتعلق بما سيبقى منها في وعي اليمنيين بعد عشرين عامًا من اليوم، أكثر من تعلقه بما حدث صباح 26 سبتمبر 1962. فإذا فهم اليمني أن الدولة له كما هي لغيره، وأن السلطة فيها لا تُورث، فستبقى ثورة سبتمبر حاضرة في وعيه مهما ابتعدت السنوات. عندها يصبح 26 سبتمبر فكرة ما زالت تطرح على اليمن سؤال دولته ومستقبله.
أستاذ الإعلام



