الإثنين 21 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • السياسة بين الثابت والمتغير.. قراءة لواقعنا اليمني

السياسة بين الثابت والمتغير.. قراءة لواقعنا اليمني

يُقال إن السياسة هي فن تحقيق الممكن، ويُقال أيضًا إنها فن التعامل مع الواقع، وقراءة المتغيرات، وإدراك ما تخفيه الأحداث قبل أن تفرض نفسها على الجميع. لكن السياسة في بلادنا تبدو، في كثير من الأحيان، أسيرة طرفين متناقضين: سياسي يظل ثابتًا على موقفه مهما تغيرت الظروف، وآخر يغير مواقفه كلما تغيرت المصالح والظروف. وبين هذا وذاك تضيع السياسة الحقيقية، وتغيب القدرة على قراءة الواقع، وتجديد الأهداف، وتصحيح المسار.

هناك سياسيون يظلون متمسكين بمواقف اتخذوها قبل سنوات، وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن الظروف لم تتغير، وكأن الأحداث التي عصفت بالبلاد لم تكن كافية لإعادة النظر في كثير من القناعات والمواقف. وحين يُسألون عن سبب هذا الثبات، يأتي الجواب جاهزًا: نحن ثابتون على المبدأ.
وهنا يجب أن نفرق بين ثبات المبدأ وثبات الموقف؛ فالمبدأ قد يكون جديرًا بالثبات، أما الموقف السياسي فهو ابن ظروفه ومعطياته، وما كان مناسبًا بالأمس قد لا يكون مناسبًا اليوم، وما كان ممكنًا في مرحلة قد يصبح مستحيلًا في مرحلة أخرى.
ومن الخطأ أن يتحول السياسي إلى أسير لعبارة قالها بالأمس، فيرفض مراجعتها اليوم، حتى لو أثبت الواقع أنها لم تعد صالحة. فمراجعة الموقف ليست بالضرورة تراجعًا، والاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، وتصحيح المسار ليس خيانة للمبدأ، بل قد يكون في بعض الأحيان دليلًا على النضج والقدرة على التعامل مع الواقع.
وفي الجانب الآخر، نجد سياسيين لا يعرفون للثبات معنى؛ تتغير مواقفهم بتغير المصالح، ويتحدثون اليوم بلغة تختلف عما قالوه بالأمس، وربما يعودون غدًا إلى موقف ثالث. هؤلاء لا يقرؤون الواقع بقدر ما يقرؤون اتجاه الريح. فالسياسة ليست أن تظل ثابتًا مهما تغير العالم، وليست كذلك أن تغير موقفك كلما تغيرت موازين القوة؛ فالأولى قد تتحول إلى جمود، والثانية قد تتحول إلى انتهازية.
إن السياسي الذي لا يستطيع مراجعة نفسه عندما يتغير الواقع قد يتحول من صاحب موقف إلى أسير لموقفه، والسياسي الذي يغير مواقفه مع كل تغير في موازين القوة قد يفقد ثقة الناس به؛ لأن المرونة شيء، والتلون شيء آخر، والواقعية شيء، والانتهازية شيء آخر.
أما اليمن، فهي ربما أوضح مثال على الحاجة إلى التمييز بين الثابت والمتغير في السياسة. فقد تغيرت خلال سنوات الحرب كثير من المعطيات، وتبدلت موازين القوى، وتعمقت الانقسامات، وتغيرت الظروف الإقليمية والدولية، بينما بقيت بعض الخطابات والمواقف تدور في المكان نفسه، وكأن شيئًا لم يتغير.
وما يحتاجه اليمن اليوم ليس مزيدًا من تكرار المواقف القديمة، ولا الاستمرار في إدارة الخلاف بعقلية الحرب، وإنما قراءة جديدة للواقع تبحث عن مصلحة اليمنيين قبل مصالح الأطراف والقوى المختلفة. فاليمني الذي أنهكته الحرب، وأثقلته الأزمات، وأصبح يبحث عن راتبه وطعامه ودوائه وأمنه وحقه في السفر والعمل والتعليم، لا تعنيه كثيرًا المواقف الجامدة بقدر ما يعنيه أن يرى طريقًا يخرجه من هذا الواقع.
ومن هنا، فإن مراجعة المواقف السياسية في اليمن ليست ترفًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. فالمطلوب ليس التخلي عن المبادئ الوطنية، وإنما البحث عن وسائل جديدة لتحقيقها؛ وليس التخلي عن الحقوق، وإنما الوصول إليها بوسائل تقلل الخسائر وتفتح أبواب الحل؛ وليس نسيان الماضي، وإنما عدم السماح للماضي بأن يبقى سجنًا للمستقبل.
وإذا كانت الحرب قد فرضت واقعًا جديدًا، فإن السياسة مطالبة بأن تبحث عن واقع جديد أيضًا؛ واقع يقوم على الحوار والتفاهم، وتغليب مصلحة الإنسان اليمني، بدل استمرار الصراع الذي يدفع ثمنه المواطن، بينما تتبدل مواقع السياسيين وحساباتهم.
إن السياسة الناضجة لا تقوم على الجمود ولا على التلون، وإنما تقوم على القدرة على الجمع بين ثبات الغاية ومرونة الوسيلة، وبين وضوح المبدأ والقدرة على قراءة الواقع. فالسياسي الحقيقي ليس من يقول دائمًا: كنت على حق، وإنما من يستطيع أن يقول عندما يقتضي الواقع: كنت مخطئًا، وقد حان وقت التصحيح.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه به كل سياسي نفسه، قبل أن يواجه به الآخرين: هل أنا متمسك بمبدأ ثابت، أم أصبحت أسيرًا لموقف قديم؟ وهل أغير موقفي لأن الواقع تغير، أم لأن مصلحتي تغيرت؟