الخميس 27 أغسطس 2026

تكتيك.. "احرق بيتك لتزعج الجار"

تقف الأرض، واسم الدولة، والعملة الوطنية، كأركان ثلاثة تشكل الهوية السيادية والكيان الجامع، وهي ثوابت راسخة لا تقبل المساس بها أو إقحامها في الصراعات، مهما بلغت حدة المواجهة مع السلطة الحوثية في صنعاء.

وبناءً على ذلك، ترتبط هذه الأركان ببعضها في وثاق عضوي متين؛ إذ إن الأرض هي المظلة الجغرافية الخالدة للشعب، في حين يمثل اسم الدولة الهوية السياسية والحضارية التي تمنح وجوده الشرعية الدولية، بينما تتجلى العملة الوطنية كرمز مادي وسيادي يُترجم القوة الاقتصادية للدولة، ويحمي المقدرات اليومية للمواطنين.
وفي غمار هذه الصراعات، تبرز الدعوات المروجة للكتابة على العملة الورقية بهدف الإضرار بالسلطة الحوثية كإجراء ينطوي على مخاطر اقتصادية وقانونية تضر بالمجتمع مباشرة بدلًا من إضعاف الجماعة الحاكمة. ومن هذا المنطلق، فإن القوانين واللوائح النقدية الدولية والمصرفية للبنوك المركزية تصنف أية ورقة نقدية تتعرض للتشويه أو الكتابة السياسية كعملة معيبة ومعدومة القيمة التداولية (Mutilated Currency)، الأمر الذي يؤدي فورًا إلى إخراجها من السوق وانكماش السيولة لدى المواطنين والتجار الصغار. فضلًا عن ذلك، فإن استبدال هذه الأوراق المشوهة يتطلب طباعة إصدارات جديدة تتكلف مبالغ ضخمة بالعملات الأجنبية الصعبة، وهو ما يتسبب في ظروف الانقسام النقدي بتفاقم التضخم وتدهور القوة الشرائية بصورة حادة.
وتُثبت الشواهد التاريخية والتطبيقات المعاصرة صحة هذا الطرح؛ فعندما أقدمت الفصائل المتنازعة في الصومال خلال تسعينيات القرن الماضي، على تشويه الفئات النقدية وطباعة إصدارات عشوائية، انهار النظام المالي بالكامل، وسقطت البلاد في تضخم مفرط دون أن تتأثر قيادات الجماعات المسلحة التي كانت تعتمد على اقتصاد الظل. وعلى النحو ذاته، أدى اضطراب التعامل بالدينار وتشويهه في العراق بعد عام 1991، إلى تدمير الطبقة الوسطى وأزمات معيشية طالت عامة الشعب، دون أن يُضعف ذلك البنية العسكرية للنظام السياسي حينها. يضاف إلى ذلك التجربة اللبنانية خلال الحرب الأهلية، حيث أدى الانقسام المؤسسي وتشويه ثقة المتعاملين بالنقد الوطني إلى انهيار لليرة وتضخم جامح انعكس بالكامل على القوت اليومي للمواطنين، بينما ظلت القوى العسكرية والسياسية تعتمد على تمويلات بديلة بالعملات الصعبة.
وبالتالي، يتضح أن العملة الوطنية ليست ملكًا للسلطة الحوثية حتى يتم إتلافها أو محاربتها، بل هي وسيلة العيش اليومية للمواطن البسيط ومكسب وطني للشعب بأكمله. ونظرًا لذلك، فإن مواجهة السلطة الحوثية تتطلب بدلًا من التدمير الذاتي اتخاذ أدوات استراتيجية موجهة تُضعف السلطة دون تدمير مقدرات الشعب؛ بدءًا من تضييق الخناق على الشبكات المالية الموازية واستهداف التحويلات غير المشروعة وغسيل الأموال، مرورًا بتجفيف منابع الإيرادات غير القانونية عبر قطع طرق التهريب وفرض رقابة صارمة على المنافذ والموانئ التي تُستغل لتمويل المجهود الحربي، ووصولًا إلى حماية القطاع المصرفي المستقل ودعم البنوك التجارية والشركات المالية لمنع السلطة الحوثية من الاستيلاء على الأصول واستغلالها.
وختامًا، فإن الأرض تبدد أوهام السيطرة بالصمود، واسم الدولة يظل ساميًا بوعي أبنائها، والعملة الوطنية تُصان بالثقة والحفاظ عليها كعنصر استقرار مالي يخدم الشعب اليوم وغدًا عندما تنقضي أشكال السيطرة المؤقتة، وتبقى ركائز الوطن قائمة.