شجن اليمن.. في ما يشبه التمهيد لندوة غرفة 19
حين قرأتُ بروشور الإعلان عن ندوة «غرفة 19» المزمع عقدها يوم الاثنين القادم، شعرت كأنني أفتح نافذة قديمة في جدار الذاكرة، أطل منها على أكثر من نصف قرن مضى. فجأة عادت إليّ صور مطلع سبعينيات القرن الماضي: عدن، والبحر، وإذاعة عدن، وأصوات المطربين، وأغنيات كانت تبدو لنا آنذاك مجرد موسيقى، ثم اكتشفتُ بعد عقود أنها كانت تؤرخ لمرحلة حضارية كاملة؛ حضارة الموجة الأولى كما اسمها توفلر هي التي سارت حتى مجيئنا إلى هذا العالم.

كنت طفلًا حينها، وكانت الإذاعة هي نافذتنا الوحيدة للإطالة على العالم، إذ كانت أول وسيلة اتصالية حديثة تكسر عزلة المجتمعات التقليدية، وتفتح أمامها نوافذ واسعة نحو العالم دون الحاجة لمهارات القراءة.
سيكولوجيًا، أحدث الراديو صدمة معرفية وإيجابية في بنية المجتمع التقليدي؛ فقد نقل الفرد فجأة من محيطه الجغرافي الضيق والقبلي إلى فضاء عالمي ممتد عبر الأثير. هذا التحول النفسي أعاد تشكيل الوعي الجمعي، إذ تحولت الكلمات المنطوقة والموسيقى العابرة للقارات إلى محفزات هائلة لتوسيع الخيال الاجتماعي وتجاوز الحدود المحلية.
بالنسبة للأطفال في تلك البيئات، كانت الإذاعة بمثابة "بساط ريح" نفسي وسحري؛ يدرب عقولهم الغضة على تخيل بلدان، وثقافات، وأحداث لم يروها قط. غياب الصورة البصرية أجبر الطفل التقليدي على استخدام طاقاته الذهنية القصوى لرسم معالم "العالم الحديث" وتفكيك شفراته المعقدة بصورة ذاتية.
لم تكن الإذاعة مجرد أداة لبث الأخبار، بل كانت محركًا نفسيًا جبارًا أيقظ الفضول المعرفي، ونمى التفكير التجريدي، وزرع في وجدان الناشئة بذور الطموح والانتماء الإنساني الواسع، مما جعلهم أكثر استعدادًا للانفتاح وقبول التغيير والاندماج في العصر الجديد.

مازلت أتذكر أغاني تلك الأيام، ومنها «يا جمّال ريتك باتجمّل»:
«يا جمّال ريتك باتجمّل
وباتأخذ معك مني رسالة
توديها إلى محبوب قلبي
وباتنظر بعينك كيف حاله»
وأغنية أبو بكر سالم بلفقيه:
يا طير يا ضاوي إلى عشك
قولي متى باضوي أنا عشي
مليت شفنا هذه العيشه
قلبي من الفرقه كما الريشه
تسرح وتضوى وأنت في أرضك
ياريت أنا مثلك عمدت أرضي
حتى ولو جمال على الهيشه
قلبي من الفرقه كما الريشه
كم قلت للركاب من قبلك
باسير شلوني قدا خلي
حتى لقوني طرد في خيشه
قلبي من الفرقه كما الريشه
وتذكرتُ أيوب طارش وهو يغني:
«بالله عليك وامسافر
لا لقيت الحبيب
بلّغ سلامي إليه
وقل له كم با تغيب»
ثم جاء صوت محمد مرشد ناجي:
«بالله عليك يا طير يا طير يا رمادي
تفرد جناحك يا طير ردني بلادي»
وكذلك صوت فيصل علوي وهو يصدح:
سرى الليل وا نايم على البحر
ماشي فايدة في منام الليل حل السرية
سرى الليل وا رامي شباك الهوى
والبحر كله نوى وانت حياتك شجية
سرى الليل وا مولى الذهب والرشوش
لا شدوا الخيل شد مهرك العولقية
أو الفنان العنتري وهو يغني:
شدت خيول العوالق ليتني عولقي
من عولق البحر لا تشرب ولا ترتعي
ياريت لي حصن في ذاك الجبل يبتني
ياريت مولاه بايبيعه ونا له باشتري

لم تكن تلك الأغاني بالنسبة إلى جيلنا مجرد أغانٍ نسمعها من إذاعة عدن؛ كانت جزءًا من تكويننا النفسي والوجداني. كانت الأغنية وسيلة للسفر دون أن نغادر المكان، وللحنين إلى مكان لم نغادره بعد، وللتعبير عن حب لم نكن نعرف كيف نقوله إلا بالغناء. ولعل هذا هو أول ما جعلني أفكر في معنى «شجن اليمن».
فالشجن اليمني ليس حزنًا مجردًا، ولا هو مجرد حنين إلى مكان. إنه حالة وجدانية تشكلت عبر قرون من السفر والانتظار والهجرة والبحر. اليمن، بحكم موقعه الجغرافي، لم يكن يومًا جزيرة ثقافية مغلقة؛ كان جسرًا بين الجزيرة العربية وشرق إفريقيا والمحيط الهندي، وكانت مدنه الساحلية، عدن والمكلا والحديدة والمخا، مرافئ للسلع والبشر والأفكار والأصوات والألحان.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من تاريخ الفن اليمني، ولا سيما الفنون الأدائية التي تشكلت في المدن الساحلية من خلال تفاعل طويل بين اليمن وشرق إفريقيا، فالهجرة لا تنقل الأجساد وحدها؛ إنها تنقل معها الذاكرة واللغة والموسيقى والرقص والإيقاع والعادات. والميناء لا يستقبل السفن والبضائع فقط، بل يستقبل أيضًا الثقافات.
لقد حمل التجار والبحارة والمهاجرون القادمون من الصومال وإثيوبيا وإريتريا، معهم، أنماطًا موسيقية وأدائية تقوم على الإيقاع والحركة والغناء الجماعي، وعلى حضور الطبل بوصفه أكثر من آلة موسيقية؛ فهو في الثقافة الإفريقية جزء من البنية الاجتماعية للأداء، يوقظ الجسد ويجمع الجماعة ويمنح الحركة إيقاعها.
ومع مرور الزمن لم تعد هذه العناصر «إفريقية» بالمعنى الصارم، ولا بقيت «خارجية» عن الثقافة اليمنية، بل دخلت في عملية أعمق هي عملية التثاقف. وهنا تكمن أهمية المدن الساحلية؛ فهي الأماكن التي تتحول فيها الحدود الثقافية إلى مناطق تماس، وحيث لا تعود الثقافة ملكًا خالصًا لمجتمع واحد، وإنما تصبح نتاجًا لتفاعل طويل بين مجتمعات متعددة.
وهنا أتذكر الدكتور نزار غانم، الباحث في موسيقى الشعوب، وما قرأته له في كتابه «جسر الوجدان بين اليمن والسودان»، هذا الكتاب يتجاوز دراسة الموسيقى بوصفها فنًا جماليًا، ليضعها في سياق أوسع: سياق العلاقات الإنسانية والثقافية بين الشعوب. فالموسيقى في هذا المنظور ليست مجرد أصوات وأنغام؛ إنها وثيقة تاريخية، وربما كانت في بعض الأحيان أكثر صدقًا من الوثائق الرسمية، لأنها تحفظ ما لا تحفظه سجلات الحكام. إنه محاولة لقراءة التاريخ من خلال الوجدان، ومن خلال ذلك الجسر الثقافي الذي ظل ممتدًا بين ضفتي البحر الأحمر.

ولعل نظرته إلى الأثر الأدائي الإفريقي في اليمن يمكن فهمها أيضًا من خلال نظرية «الانتشار الثقافي»، التي ترى أن العناصر الثقافية تنتقل من مجتمع إلى آخر عبر التجارة والهجرة والحروب والاستعمار وغيرها من أشكال الاتصال بين البشر.
لكن الانتشار الثقافي لا يعني أن الثقافة المستقبلة تظل مجرد نسخة من الثقافة الوافدة. بل تعيد إنتاج العنصر الوافد وفق حاجاتها وذائقتها وذاكرتها، فيولد من التفاعل شيء جديد.
وهذا بالضبط ما يجعل الثقافة في المدن الساحلية غنية وزاخرة بالمؤثرات الخارجية فعدن، مثلًا، لم تكن مدينة يمنية فقط بالمعنى الجغرافي؛ كانت مدينة كونية صغيرة. ميناؤها جعلها تلتقي بالهندي والإفريقي والعربي والأوروبي، وجعل شوارعها تستقبل لغات وأديانًا وأطعمة وأزياء وألحانًا مختلفة.
في ذلك الزمن كانت عدن عاصمة «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية»، وقد خرجت لتوها من أكثر من قرن من الاستعمار البريطاني. وفيها ظهرت مبكرًا الكهرباء والماء والمدارس والمستشفيات والمطار والمواصلات والاتصالات والبريد والبرق والهاتف والإذاعة والتلفزيون والصحافة، إلى جانب الحركة التجارية النشطة التي جعلت ميناءها واحدًا من أهم موانئ العالم.
ولهذا كانت عدن بالنسبة إلى أبناء ذلك الزمن مدينة الأحلام:
«عدن عدن
يا ليت عدن مسير يوم
شاسير به ليلة مشرقد النوم».
كان الوصول إلى عدن رحلة.
وكانت العودة منها رحلة أخرى.
وكانت الأغنية تختصر الرحلتين.
لقد عشنا نحن أبناء ذلك الجيل في عالم مختلف تمامًا عن عالم اليوم. كانت الجغرافيا تفرض نفسها على الإنسان بقوة. كان السفر يحتاج إلى الوقت، وكانت المسافة تعني الانفصال، وكانت الرسالة تحتاج إلى أيام، وكانت الجمال والخيول هي وسائل التواصل الممكنة بين الريف والمدينة، وربما تحتاج الرحلة إلى أسابيع كي تصل، وكانت الإذاعة نافذتنا الكبرى على العالم.
في الهجرة التقليدية كان الإنسان يذهب إلى العمل، أما اليوم فقد يستطيع العمل أن يأتي إلى الإنسان. رأيت ذلك بنفسي حين زرت قريبًا أمريكيًا في القاهرة، كان يدير شركة شحن مقرها في ولاية ميتشيغان، بينما كانت عمليات الإدارة والمتابعة اليومية تتم من مدينة نصر، حيث يجلس شباب مصريون ويمنيون أمام شاشات الحاسوب، ويتابعون حركة الشاحنات في الولايات المتحدة لحظة بلحظة. يومها أدركت أن شيئًا جوهريًا قد تغير: لم يعد العامل مضطرًا دائمًا إلى الهجرة نحو الوظيفة، فالوظيفة نفسها تستطيع أن تهاجر إليه.
لقد فكّت الرقمنة الارتباط التاريخي بين مكان العمل ومكان الإقامة، وأعادت تعريف مفاهيم الهجرة والعمل والانتماء. لكنها، في الوقت نفسه، أنجبت إنسانًا جديدًا يعيش في زمن مختلف. فنحن أبناء النصف الثاني من القرن العشرين، نتذكر العالم قبل الشاشة، ولذلك نستطيع أن نقارن بين زمنين؛ أما الجيلان Z وألفا فقد وُلدا داخل العالم الرقمي، حيث الزمن ليس امتدادًا متصلًا، بل تدفق لا ينقطع من الصور والأخبار والإشعارات. إنها ذات سائلة، تشبه، في بعض وجوهها، «الحداثة السائلة» عند زيغمونت باومان ومع ذلك، هناك ما تعجز التكنولوجيا عن مصادرته: الذاكرة، ولا سيما حين تختبئ في أغنية.
هذا ما حدث لي صباح اليوم وأنا أسبح، حين وجدتني أدندن:
يا طير يا ضاوي إلى عشك
قولي متى باضوي أنا عشي
مليت شفنا هذه العيشه
قلبي من الفرقه كما الريشه
تسرح وتضوى وانت في أرضك
ياريت أنا مثلك عمدت أرضي
حتى ولو جمال على الهيشه
قلبي من الفرقه كما الريشه
كم قلت للركاب من قبلك
باسير شلوني قدا خلي
حتى لقوني طرد في خيشه
قلبي من الفرقه كما الريشه
لم أستدعِ الأغنية؛ هي التي استدعتني. في لحظة واحدة انتقلت من هولندا إلى عدن، فعرفت أن المسافة الجغرافية لا تساوي شيئًا أمام لحن تختزن فيه الذاكرة المكان والزمان والوجوه ورائحة البحر وأحلام الطفولة.
لذلك فإن «شجن اليمن» ليس حنينًا شخصيًا فحسب، بل ذاكرة ثقافية وتاريخية لوطن عبرته البحار والهجرات والثقافات. فالأغنية الشعبية ليست ترفًا فنيًا؛ إنها وثيقة أخرى للتاريخ، تحفظ ما لا تحفظه الأرشيفات: أصوات البحارة، وانتظار الراحلين، ووجع الغائبين، وفرح العائدين.
وربما لهذا لا ينبغي أن نقرأ تاريخ اليمن من خلال حروبه وحدها، بل من خلال أغانيه أيضًا. فالأمم لا تحفظ تاريخها في الوثائق فقط؛ أحيانًا تختبئ مدينة كاملة داخل لحن.
لقد غادرتُ عدن جسدًا، لكنها لم تغادرني. بقيت في داخلي وطنًا من صوت. وحين تقول الأغنية: «بالله عليك وامسافر...»، أدرك أن الحنين ليس مرضًا في الذاكرة، بل أحد أعمق أشكال الوفاء للحياة.



