الجمعة 22 مايو 2026

حديث الوحدة..

في الثاني والعشرين من مايو 1990 تحقق حلم اليمنيين الأبرز بقيام دولتهم الواحدة، بعد عقود من النضال في سبيل تحقيقها.
ولم تكن الوحدة مجرد صفقة بين نظامين، أو مغامرة طائشة لبعض القادة السياسيين؛ بل كانت استجابة طبيعية لنداء الهوية الراسخة في الوجدان، المعبِّرة عن شعب واحد ومصير واحد.

حَدَث أن أدار دولة الوحدة، لسنوات، نظام فاسد ومستبد، اختزل الدولة في شخص الحاكم وأسرته وحاشيته، وامتد فساده ليطال الوطن كله بلا استثناء ولا تمييز.

وبدلاً من أن يتكاتف جميع اليمنيين للخلاص من ذلك النظام، وبناء دولة المواطنة والعدالة، لهم جميعاً، ذهب البعض إلى البحث عن خلاص وهمي عبر محاولة تمزيق الوطن وتقاسم جغرافيته. وكأن مشكلات الاستبداد والفساد يمكن معالجتها بتمزيق البلاد إلى كيانات صغيرة متناحرة.

ومن المغالطات الفجّة الادعاء بأن مشاريع التفكيك تُمثِّل الإرادة الشعبية، فذلك بهتان مبين، واجتراء صارخ على الحقيقة. فالإرادة الشعبية الحقيقية عبّر عنها اليمنيون جميعاً بجلاء يوم 22 مايو 1990. أما ما يطفو على السطح اليوم، فلا يمكن فهمه، إلا في إطار حالة الإحباط التي صنعتها الأزمات المتراكمة، وحملات التضليل وتزييف الوعي، واستثمار المعاناة السياسية والاقتصادية لتسويق مشاريع التفتيت الممولة والمخطط لها من الخارج.

إن خطورة ما يجري اليوم ليس الخلاف حول قضية سياسية، بل التأسيس الممنهج لثقافة الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، والعمل على تسميم الذاكرة الوطنية، وتضليل الأجيال الصاعدة، ودفعهم للنظر إلى بعضهم البعض بوصفهم خصوماً لا شركاء في وطن ومصير.

إن التحريض على تفكيك الوطن، وإثارة الأحقاد بين أبنائه، ليس مجرد رأي يُختلف معه، بل تهديد وجودي للدولة والمجتمع، وجريمة سياسية وأخلاقية تهدد السلم الاجتماعي، تقع تحت طائلة قانون العقوبات. وكل المجتمعات الحيّة لا تتوانى في الدفاع عن كيانها بكل ما لها من سلطة.

ويبدو غريباً، وموجعاً، هذا الصمت الثقيل والمريب من التيار الوطني العريض المعبِّر عن الإرادة الشعبية الحقيقية.

لماذا هذا الصمت؟ ولماذا يُترك خطاب الكراهية والتفكيك يتمدد، بلا مواجهة فكرية وسياسية مجتمعية جادة وحازمة؟ أين صوت اليمن الكبير؟ أين صوت العقل والمنطق والحقيقة؟

أمّا تهاون سلطات الدولة، تجاه التجاوزات التي تمس وحدة الوطن وسلامة أراضيه، وتهدد السلم الاجتماعي، فيضعها أمام مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدستورية. فالنكوص عن القيام بهذه المهام، هو حنث بالقسم الدستوري، وجريمة تصل إلى الخيانة العظمى.

يدرك العقلاء أن هذا الوطن المثخن بالجراح، المنهك بالحروب والصراعات والانقسامات، لم يعد يحتمل مزيدا من التشظي والانهيار، وهناك فرصة أخيرة للنجاة، بالتقاء القوى الحية حول مشروع وطني جامع، لاستعادة الدولة وإعادة بنائها، على أسس المواطنة المتساوية، والشراكة العادلة، وسيادة القانون، في وطن يتسع لجميع أبنائه، بلا إقصاء ولا غلبة.