عبدالرزّاق الربيعي.. الحارس الأخير للمسرح والشعر

منذ منتصف ستينيات القرن الماضي وحتى مطلع الألفية الجديدة، عاشت الحركة الثقافية في اليمن واحدة من أكثر مراحلها حيويةً وإشراقًا. كان ذلك زمنًا تتقاطع فيه الأفكار وتتلاقى فيه التجارب، حيث امتلأت المدن اليمنية بالندوات والملتقيات والمهرجانات الثقافية، وتحوّلت الصحف والمنتديات الأدبية إلى منصاتٍ مفتوحة للحوار والتجريب والإبداع. في تلك السنوات، لم تكن الثقافة مجرد نشاط هامشي، بل كانت جزءًا من نبض الحياة اليومية، وفضاءً رحبًا تتشكل فيه الأسئلة الكبرى حول الهوية والحداثة والحرية والمعنى.
وقد ازداد هذا المشهد ثراءً بتوافد عدد من المثقفين والكتّاب العرب الذين وجدوا في اليمن فضاءً حيويًا للتفاعل الثقافي، فحضروا وشاركوا وأسهموا في توسيع آفاق الحوار الأدبي والفكري. جاء بعضهم من مصر والمغرب والعراق وغيرها من البلدان العربية، حاملين معهم تجاربهم وأسئلتهم، ليضيفوا إلى المشهد اليمني بعدًا عربيًا أوسع. وفي هذا السياق برزت أسماء عديدة تركت أثرًا في الذاكرة الثقافية اليمنية، غير أن اسم الشاعر والكاتب عبد الرزاق الربيعي يظل واحدًا من الأسماء التي ارتبط حضورها بتلك المرحلة بروح خاصة من التفاعل والعطاء.
لم يكن حضور الربيعي في اليمن مجرد مرور عابر أو مشاركة محدودة في الفعاليات الثقافية، بل كان حضورًا إنسانيًا وثقافيًا فاعلًا، اتخذ من الكلمة جسرًا للتواصل ومن الثقافة وسيلة لفتح الأبواب أمام المواهب الجديدة.
فقد كان، إلى جانب تجربته الإبداعية المعروفة، قريبًا من المشهد الثقافي اليمني في تفاصيله اليومية، يلتقي بالكتّاب الشباب، وينصت إلى أصواتهم، ويتابع ما يُكتب في الصحف والمنتديات، ويبحث عن تلك الطاقات التي لم تجد بعد طريقها إلى الضوء. ومن خلال عمله مراسلاً ومحررًا في عدد من الصحف العربية، وبفضل شبكة علاقاته الواسعة في الوسط الثقافي والصحفي، أسهم الربيعي في التعريف بأسماء يمنية كانت آنذاك خارج دائرة الضوء.

كتب عنهم، ونشر نصوصهم، وفتح لهم نوافذ للعبور إلى القراء في فضاءات عربية أوسع. ومع مرور السنوات، أصبح كثير من تلك الأسماء جزءًا من المشهد الأدبي العربي، يحملون منجزًا إبداعيًا متنوعًا من الدواوين والكتب والترجمات والمشاركات الثقافية. لهذا ظل اسم عبد الرزاق الربيعي محفورًا في ذاكرة عدد كبير من المثقفين اليمنيين، ليس فقط بوصفه شاعرًا وكاتبًا عربيًا بارزًا، بل أيضًا بوصفه صديقًا للمشهد الثقافي اليمني، وشاهدًا على مرحلةٍ غنية من تاريخه. مرحلةٍ كانت الثقافة فيها جسراً بين البلدان، ومساحةً مفتوحة للتعارف والحوار والتأثير المتبادل. ومن هنا يأتي هذا الحوار، لا بوصفه مجرد استعادة لذكريات الماضي أو وقفة عند محطات شخصية، بل بوصفه نافذةً مفتوحة على تجربة إنسانية وثقافية امتدت عبر أكثر من جغرافيا عربية؛ من العراق إلى اليمن إلى سلطنة عُمان، مرورًا بفضاءات عربية أخرى. إنها فرصة للإنصات إلى شهادة كاتب عاش تفاصيل مرحلة مضيئة من تاريخ الثقافة العربية، وشارك في صناعة بعض ملامحها، وما يزال يحمل في ذاكرته الكثير من الحكايات والأسئلة والرؤى التي تستحق أن تُروى.

بعد تجربتك الشعرية التي بدأت في العراق وامتدت إلى اليمن ثم استقرت في سلطنة عمان، كيف انعكس اختلاف المكان على لغتك الشعرية ورؤيتك للعالم؟
من الطبيعي أن ينعكس أثر المكان على نص الشاعر، كون هذا النص نتاج تفاعل الذات الشاعرة مع المكان، وتنتمي نصوصي لهذا النوع، فمن الصعب فصل نصوصي عن حياتي، وهي تمثّل مرآة لكلّ المتغيرات، والأحداث في حياتي، وحين تقرأ نصوصي ستقرأ تفاصيلي، وستجد أنني كتبت عن شعوري بالغربة في دواويني التي أصدرتها ببغداد قبل مغادرتها، فقد عرفت الاغتراب مبكّرا، ربما لأن جذوري تعود إلى جنوب العراق، تحديدا محافظة ميسان، فيما ولدت في بغداد ونشأت في أسرة ظلّت مشدودة لتفاصيل الحياة في الجنوب الذي غادرته قسرا لصعوبات الحياة فيه، وكانت حين تتحدّث عن المكان الذي الأول، وكأنها تتحدّث عن (فردوس مفقود)، بينما كانت تعاني به من شظف العيش وطغيان الإقطاع( ملّاك الأراضي)!! وتعمّق لدي هذا الشعور، كلّما كبرت، وزاد احتكاكي بسكّان العاصمة الأصليين، يومها أدركتُ أن وجود الإنسان في الزمان الخطأ والمكان الخطأ يزيد من شعوره بالاغتراب، فالغربة داخل الوطن أشد وأقسى! يقول الحكم بن أبي الصلت:
وما غُربة الإنسانِ في بُعدِ داره
ولكنّها في قـربِ من لا يُشــاكلُ
وإذا كنّا لا قدرة لنا على تغيير الزمان، فعلى الأقل نمتلك الإرادة في تغيير المكان، خصوصا أن الظروف التي عاشها العراقيون في الثمانينيات، والتسعينيات من حروب وحصار، وسلطة شمولية، وتعسف، وتقييد، كانت تساعد على مغادرة العراق، فرأيت أن الحل يكمن في البحث عن مكان جديد، أكافح من خلاله شعوري الطاغي بالاغتراب، وأبدأ خطّا جديدا في حياتي، سبق ذلك سنة أمضيتها في عمّان العاصمة الأردنية، ثم وجدت بغيتي في اليمن، ومن ثم سلطنة عمان ، فلم أذهب بعيدا إلى أوروبا، كما فعل شعراء جيلي وأصدقائي، كنت أبحث عن مكان بيني وبينه مشتركات ووشائج والإنسان طائر يلقي جناحيه في مكان يحتضنه، وهذا الشرط متوفر في هذه المنطقة تاريخيا، وعلى رأي عالم الآثار العراقي بهنام أبو الصوف إن جذور السومريين تمتد إلى دول الخليج التي استوطنت جنوب العراق "بعد تعرّض مناطقها للانغمار نتيجة ارتفاع منسوب الخليج والبحر العربي بسبب ذوبان ثلوج القطب الجنوبي"، خصوصا إذا بنيت العلاقة على التقدير والمحبّة، يقول الكاتب واسيني الأعرج" وطنك هو المكان الذي يقدّرك ويمنحك حبّه"
من خلال حديثك عن الغربة، هل يمكن أن يتحول الاغتراب من حالة نفسية إلى مصدر إلهام شعري؟
يبدأ الاغتراب بالاغتراب مع النفس وهو، بالنسبة لي، إرث بابلي قديم، وهنا يحضرني نص عثر عليه الآثاريّون مكتوب على رقيم بابلي عام 2500 قبل الميلاد، ترجمه عالم الآثار د. طه باقر ورد به:
"لقد نفتنا الالهة
غرباء حتى مع أنفسنا
نجوسُ ازمنة الماضي والآتي
دون قيثارات..
هكذا كان حُكمنا الأبدي
ورحلةُ بحّارة يعشقون النبيذ.."
ورغم أن الشعور بالاغتراب ثقيل على الروح، لكنه محرك للثورات، ومحفّز للتغيير لا الانكسار، ففي نظر ماركس حين يشعر العامل أنه مجرد أداة إنتاج ويتقاضى أقل مما يستحق، بينما يتمتع الرأسمالي بالرفاهية تحدث حالة التصادم والانفجار وتقوم وفي هذه الحالة الثورات على الأوضاع هي ردود أفعال طبيعية للظلم الاجتماعي والاستغلال، ومن هذا المنظور فهو مصدر إلهام شعري.
هل يعني ذلك أن الشاعر يحتاج إلى “منفى” ليكتشف صوته الخاص؟
ليس بالضرورة، هناك مبدعون لم يغادروا بلدانهم ومع ذلك امتلكوا أصواتهم الخاصة، والأمثلة كثيرة، فالشاعر الكبير عبد العزيز المقالح لم يغادر (باب اليمن) في الأربعين سنة الأخيرة من حياته، ولم يسافر الكاتب نجيب محفوظ مصر إلّا مرّتين واحدة منهما لليمن! والكاتب العراقي الكبير محمد خضير لا يغادر البصرة إلّا للضرورات القصوى، لذا يطلق عليه ( مواطن بصري)، المنفى، كحالة شعورية، يغذّي القصيدة، الذي تتفتح به أزهار النص، وتنمو بسرعة، فلابدّ لكلّ شاعر من منفى، بالمعنى المجازي بالطبع، ومياه الشعر تعشق الجداول المتدفّقة التي لا تتوقف عن الحركة مهما صادفت من موانع وحواجز وأحجار، لذا فهي تموت عندما تتوقّف عن الجريان، يقول الفرزدق:
ولــجَّ بـك الـهِجرانُ حتى كـأنّـمـا
ترى الموتَ في البيت الذي أنت تألفُ
وكيف أثّرت ثنائية الانتماء واللاانتماء في تشكيل رؤيتك الجمالية؟ و هل كان اختيارك للمنطقة العربية بدلاً من أوروبا قرارًا ثقافيًا أم إنسانيًا؟
.كلاهما
المهاجرون من أمثالنا لا يضعون الجمال شرطا أساسيا في الأماكن التي ينوون الإقامة فيها، أولويات الاختيار تضع البُعد الثقافي في المقام الأول، ثم الإنساني، بعد ذلك الجمالي، فأنا أنتمي لثقافتي، وبيئتي، وفيهما أجد نفسي، وهذا الشعور لم أجده في أوروبا في زياراتي المتعدّدة لها، والشاعر يبحث عن الأوساط الثقافية التي تتعاطى معه، ثقافيّا، وتحتضنه اجتماعيا، مرّة قال لي الشاعر شوقي عبد الأمير المقيم في باريس عندما كنا في صنعاء " أنا في باريس ممثل على مسرح، أما هنا، فسمكة تسبح في محيط"
ما الذي منحته لك سلطنة عمان، وما الذي أضافته تجربتك في العراق واليمن لهذه المرحلة؟
لكل مكان أبعاد غير مرئية، تتجاوز البعد الجغرافي، وإذا تضافرت تلك الأبعاد مع المكان باعتباره حيّزا جغرافيا، فبالتأكيد سيساهم ذلك في توجيه التجربة الإبداعية، ومن يقرأ نصوصي التي كتبتها بعد مغادرتي العراق، سيلاحظ أثر المكان، ففي سنوات إقامتي في صنعاء في التسعينيات، أضاف لي المكان اليمني الكثير، وقد ذكرت ذلك مفصّلا في كتابي ( نقوش سومرية على باب اليمن) الصادر عن دار (عناوين) في القاهرة 2022م، وقد استأثر المكان العماني في نصوصي بكتاب للدكتور محمد صابر عبيد حمل عنوان (شعرية المكان العماني في تجربة عبدالرزاق الربيعي) وقد صدر عن وزارة الثقافة والرياضة والشباب ٢٠٢٣ وفاز بجائزة صحار للدراسات النقدية في عام 2021م .

هل تختلف “شعرية المكان” بين العراق واليمن وسلطنة عمان في تجربتك؟
هذه الأمور متروكة للنقّاد، فلهم الكلمة الأولى، فهم يرون ما لا يرى منتج النص، أما بالنسبة لي، فأشعر أن الاختلافات موجودة بسبب نضح التجربة، وتراكم الخبرة الجمالية والمعرفية، ولكل مكان شعريته وأسراره التي لا تتكشّف إلّا للشاعر.
هل يمكن اعتبار المكان شريكًا في إنتاج النص، وليس مجرد خلفية له؟
المكان عامل مهم في انتاج النص، فهو لا ينفصل عن اللحظة التي يولد فيها، زمانيا ومكانيا، من دون قصد، ففي هذه الحالة يدخل اللاشعور في عملية الكتابة، وتوجيه النص، وتحديد وجهته.
كيف تقرأ تحوّل الأدب في زمن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي؟
. لا ننكر أثر السوشيال ميديا في إيصال الأدب إلى الجمهور العريض، بعد أن كان مقتصرا على النخب المثقفة، ولكنّ جهدها اقتصر على تقديم خلاصات للأفكار، وتعريف بأهمّ الكتب، واقتباسات، ومقتطفات شعرية، ومقاطع فيديو يقدّم صنّاعها محتوى ثقافيا، وهذا غير كاف بالطبع، فالمطلوب منها أبعد من ذلك، فالملاحظ هناك تكرار، واجترار، وسطحيّة، وفوضى في النشر، فضلا عن كثيرة الأخطاء الإملائية والنحوية، وركاكة الأسلوب، لذا لا نعوّل على الكثير مما يُطرح فيها.
بمعنى أنك تعتقد أن وسائل التواصل غيّرت مفهوم “الكاتب الحقيقي”؟
لم تغيّر المفهوم، إنما الآليات اختلفت، فما كان يدوّن على الورق، ويخضع لمراجعات كثيرة قبل خروجه للقرّاء صار يُنشر بضغطة زر، وهذا شجّع على استسهال الكتابة، بوجود تعدّد المنابر، خصوصا بالنسبة للمبتدئين، لكنه من باب آخر فتح باب التفاعل، فالنص لا ينتهي بعد كتابته، مع تلقّي كاتب النص على آراء وتعليقات القرّاء، التي تطوّر النص، وتوسّع آفاقه، من زاوية التلقّي
كيف يمكن التمييز بين الأدب الحقيقي والمحتوى السطحي في الفضاء الرقمي؟
الأدب الحقيقي هو الذي يطرح أسئلة ويناقش قضايا، أما السطحي فهو الأدب الذي لا يترك أي أثر، فهو مجرد رصف كلمات وعرض حال، وثرثرة فارغة، ويولد ميتا، والقارئ الحاذق يستطيع التفريق بينهما، وأعني بالحاذق: القارئ، الخلّاق الذي يشارك في انتاج الدلالة، فهو يقرأ النص بوعي، وبذلك يكون قادرا على معرفة خفاياه، وما نحتاج إليه اليوم هو ردم الفجوة بين المحتوى الرقمي والقاريء من خلال الارتقاء به.
اذا نستطيع القول أن السوشيال ميديا أسهمت في خلق جيل لا يحب القراءة؟
لا نستطيع أن نقول أنه لا يحب القراءة لكن علاقته بها هشّة، لأنه يبحث عن المعلومة في المحتوى الرقمي وليس في بطون الكتب .
ما التحدي الأكبر الذي يواجه الكاتب في عصر السرعة الرقمية؟
التحديات كثيرة، وأبرزها أن الشاعر والمسرحي يعيشان اليوم في عصر أدار ظهره للفنون، وفقد المثّقف دوره الفاعل، كمحرّك للأحداث، وصانع لها، كما كان في أربعينيات، وخمسينيات وستينيات القرن الماضي، وقد تراجع هذا الدور بعد انحسار المدّ اليساري في المنطقة، خلال الحرب الباردة، وانتهاء الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي لصالح الثاني، ولكي يستعيد المثقف العربي حضوره في المشهد العام الذي كان يشغله من جديد، ينبغي التعاطي مع لغة العصر، وفهم قضاياه، ومعالجتها، وتطوير أدواته عند التعبير عنه، فالبقاء للنص الجيد، لذا سيواجه الشاعر والكاتب مهمة صعبة في العثور على صوته الخاص في مشهد مليء بالأصوات، فلا مكان للنص العادي، يقول السينمائي ديفيد فينشر" ما سيدفعك لصنع فيلم جيد هو الرعب من تقديم فيلم رديء"
ما الأدوات التي يجب أن يطورها الكاتب ليواكب العصر دون أن يفقد هويته؟
على الذين يكتبون في السوشل ميديا العناية بلغتهم، نحوا وأسلوبا، وكتابة، فهي وسيلة تواصلهم مع القاريء، واللغة هوية.
وإلى أي مدى يمكن للكاتب أن يكون فاعلًا اجتماعيًا اليوم؟
أمام المثقف واجب مهم تجاه المجتمع والحياة فهو صانع للحياة والجمال، وعلى المثقف أن يساهم في صنع الأحداث وكما يقول بريخت" الا يقف متفرجا" .
لنعود حول الشعر والمسرح
كيف ترى مستقبل الشعر والمسرح العربي؟
لا خوف على الشعر، لأنه ولد مع وجود الإنسان على الأرض، وسيظلّ يعيش معه كما يقول الشاعر أوكتافيو باث " ما دام للإنسان وجود على هذه الأرض "، وكذلك المسرح الذي تعود جذوره للمعابد قبل الميلاد، لكن الفنون تخضع لقانون التبدل والتغير، وهذا سرّ خلود الأعمال الفنية العظيمة، ولولاها هذه الميزة لما وصلنا شيء منها، وقد واكب الشعر والمسرح التطوّرات المتسارعة التي حصلت في عصرنا وطالت الملبي والمشرب، والملبس، والذائقة، ومن هنا، فمستقبل الشعر والمسرح مرتبط بقدرتهما على تطوير أدواتهما، فإذا تمكّنا من ذلك، ضمنا بقاءهما
إلى أي حد ما زالت المهرجانات قادرة على التأثير في المشهد الثقافي؟
من المؤسف أن هذه الأنشطة فقدت تأثيرها بسبب غياب الرموز الثقافية العربية الكبيرة التي كانت تعطي هذه المهرجانات والندوات ثقلها وتحقق إضافة، ففي الثمانينيات، حضرت العديد من دورات مهرجان المربد الشعري، وفيه أينما تلتفت تجد قمة شعرية، مثل محمود درويش ونزار قباني ومحمد الفيتوري وعبدالله البردوني وآخرين إلى جانب العديد من النقاد والإعلاميين، وكذلك الحال في مهرجان جرش في الأردن وسواهما من المهرجانات، وقد ساهم منظمو المهرجانات اليوم في ضعفها، فالدعوات توجّه للمقرّبين، والذين يستفيدون منهم، فالدعوات توجّه لرؤساء المهرجانات، وذوي المواقع الرسمية، من باب تبادل المنافع ومنطق" وجّه لي دعوة، وأضمن لك دعوة في مهرجاني أو مؤسستي"
وهكذا امتدّ الفساد ليشمل المهرجانات، لهذا نرى أن أسماء المشاركين مكرّرة، فتراجع تأثيرها، وبالطبع هناك استثناءات، لكنها قليلة.
قبل اربعين عاما الحراك الفني والثقافي كان مشتركا بين الجامعات والمؤسسات الثقافية اليوم لانرى المشهد أو يكاد شبه منتهي ؟
تاريخيا، للجامعات دور في دفع الوعي المجتمعي إلى الأمام، فمن الجامعة انطلقت حركات التنوير، وظهرت الكثير من الرؤى والحركات الأدبية والمناهج النقدية، ومثّلت مراكز إشعاع حضاري، وكانت (دار المعلمين العليا) في بغداد حاضنة للشعر الحر في الأربعينيات عندما كان يدرس فيها الشاعر الرائد بدر شاكر السيّاب، وعبدالوهاب البياتي، ولميعة عباس عمارة، وسليمان العيسى، وآخرون، وفي صنعاء لعبت جامعة صنعاء دورا رياديا في الثمانينيات والتسعينيات عندما كان يرأسها الشاعر الكبير الراحل عبدالعزيز المقالح، حيث استقطب كبار النقّاد والأكاديميين العرب ومن بينهم: أدونيس ، كمال أبو ديب، د. حاتم الصكر، د. علي جعفر العلاق، د. عبدالرضا علي، د. سعيد الزبيدي، د. شاكر خصباك، د. عناد غزوان، د. عبد علي الجسماني، د. سعد التميمي، د. عبدالإله الصائغ، د. صبري مسلم، د. وجدان الصائغ، د. رعد السيفي، د. إبراهيم الجرادي، وعدد كبير لا يتسع المجال لذكره.
أما اليوم، فللأسف الشديد تراجع دور الجامعات كثيرا، تبعا لتراجع ثقافي شمل جميع المرافق التعليمية، ومع ذلك فالكثير من الأكاديميين يبذلون قصارى جهودهم من أجل أن تمارس الجامعة دورها المطلوب في البناء الحضاري.
ما الكتب أو الأعمال المعاصرة التي ترى أنها تركت أثراً واضحاً في الأدب العربي الحديث وتشكل مراجع مهمة للجيل الجديد من الكتّاب؟
في مقتبل حياتنا قرأنا كتاب" الشعر والتجربة" لأرشبيالد مكليش بترجمة سلمى الخضراء الجيوسي وانبهرنا به وأعدنا قراءته عدّة مرات، والكتاب يتحدث عن تطور الأشكال الشعرية، والعديد من المفاهيم كالإلهام، وعلاقة الشعر بالتجارب الإنسانية، وتفاعله مع العالم وطبيعة اللغة والمعاني، فضلا عن ذلك يحلّل نصوصا مختارة، ويروي تجارب مرّ بها في عالم الكتابة، بأسلوب سلس، أما في المسرح فأهم نص مسرحي قرأته وأعدت قراءته هو مسرحية (انسوا هيروسترات) للكاتب الروسي غريغوري غورين، وتتحدث عن رجل مهووس بالشهرة يحرق معبدا كبيرا ليشتهر، فتصدر السلطات الحاكمة قرارا بمنع اسمه، ومحوه من الذاكرة، لكن هذا المنع يجعله أكثر شهرة، ويغدو من أصحاب النفوذ وهو في سجنه، وقد أحببت النص أكثر عندما أخرجه التونسي المنصف السويسي، وقدّمه على مسرح الرشيد ببغداد في منتصف الثمانينيات، باسم( من أين جاءت هذه البلية؟) وبلغ هوسي بالنص أن حفظت أجزاء منه، أما في الرواية فتقف رواية (زوربا اليوناني) لكازنتزاكي في مقدّمته، وأذكر أنني أعدت قراءتها لأكثر من ست مرّات!
كيف تتخيل شكل الأدب العربي بعد عقود من الان؟
من الصعب التكهن في مسائل الإبداع، فساحته حبلى بالمفاجآت، التي لا تخطر على بال أحد، فلا يوجد قانون ثابت نحتكم إليه، أما فيما يتعلّق بقضية الأشكال، فالمعطيات تؤكد أن تداخل الأجناس سيلعب دورا في ظهور نص جديد يميل للاختزال، إلى أقصى حد، فعصر السرعة سيلقي ظلّه على النص القادم الذي سيقوم على التداعي الحر، ويجمع السرد، والحوار الداخلي، والصورة، وربما حتى الموسيقى تدخل في عناصره في النصوص المرئية.
يظل للأديب والكاتب حضورٌ في كل الازمنٍة ،لكن هذا الوقت وظهور الذكاء الاصطناعي، هل سيدفعه إلى الهامش، حيث يراجع ما قدّمه متحسرًا على مسارٍ لم يعد يجد له مكانًا في معادلات الحضور الجديدة؟
يظل المثقف يتصدر المشهد مدافعا عن قيم العدالة الاجتماعية والحرية ويقف في المقدّمة، ومعادلة الحضور نسبية وتتغير مع تغير الزمان ولا يبقى إلّا الصحيح، وكما يقول مارتن لوثر" لا يمكن طرد الظلام بالظلام وحده الضوء يمكنه فعل ذلك"
