من الحرب إلى المدرجات.. الرياضة تبحث عن السلام في اليمن

فرحة عارمة انتابت العشريني يوسف مصقري مع عودة الدوري اليمني لكرة القدم بعد 12 عاماً من التوقف القسري. يوسف، الذي كان يشجع نادي الهلال الساحلي منذ طفولته حين كان والده يصطحبه إلى ملعب العلفي التاريخي بمدينة الحديدة، ظل طوال سنوات الحرب يحلم بالعودة مجدداً إلى مدرجات الملاعب لمشاهدة فريقه المفضل.
وبالفعل، كان يوسف حاضراً في الثلاثين من أبريل الماضي بملعب الظرافي في صنعاء، لمتابعة فريقه في افتتاح الدوري أمام شباب البيضاء. ورغم خسارة الهلال، قال لـ«النداء» إن «الأجمل في عودة الدوري أن المدرجات أصبحت ملتقى للشباب الذين تجمعهم الروح الرياضية الواحدة، التي تجسد حكمة اليمنيين».
وليس يوسف وحده من يشعر بالارتياح لعودة الدوري، وهو النشاط الرياضي الأكثر شعبية في اليمن، بل يشاركه كثير من اليمنيين الذين عبّروا عن سعادتهم باستئناف النشاط الكروي، وهو ما انعكس في الحضور الجماهيري اللافت في مدرجات الملاعب، رغم الظروف القاسية التي تمر بها البلاد على مختلف الأصعدة.
مرحلة جديدة
يرى منتسبو الأندية الأربعة عشر المشاركة، القادمة من مختلف المحافظات اليمنية شمالاً وجنوباً، في الدوري نافذة أمل لتصحيح ما أفسدته الحرب، ومحفلاً لتوحيد اليمنيين. وهو الرأي ذاته الذي عبّر عنه النجم الدولي اليمني علي النونو، مدرب أهلي صنعاء ومساعد مدرب المنتخب الوطني للناشئين، خلال حديثه مع «النداء»، مشيراً إلى أن عودة الدوري خطوة مهمة لإحياء الكرة اليمنية وإعادة بريقها الذي كاد أن يخفت.

ويقول النونو: «هناك أندية كبيرة وعريقة حاضرة في الدوري الحالي مثل أهلي صنعاء، والتلال، وشعب إب، ووحدة صنعاء، وشعب حضرموت، وغيرها من الأندية التي تمتلك تاريخاً وجماهيرية كبيرة، وهو ما يعزز التنافس والحماس الكروي لدى الجماهير».
وتشارك في منافسات الدوري أندية الدرجة الأولى بواقع سبعة أندية من المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة صنعاء، وسبعة أخرى من المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة عدن، وفق نظام الذهاب والإياب. وتكتسب إقامة الدوري أهمية خاصة في ظل استمرار تضرر المنشآت الرياضية والملاعب جراء الحرب، إلى جانب التحديات الإدارية والتنظيمية المرتبطة بإنجاح البطولة.
الكابتن محمود الرميم، لاعب الفريق الأول بنادي اليرموك، يرى أن اللاعب اليمني افتقد خلال السنوات الماضية فرصة الظهور والتطور المستمر، مؤكداً أن نجاح عودة الدوري يتطلب انضباط الجميع، ودعم الجماهير، وتكاتف الاتحاد والأندية واللاعبين والإعلام الرياضي.

ويشير الرميم، وهو أيضاً مدرب فريق الأشبال بنادي اليرموك، في حديثه لـ«النداء»، إلى أن الرياضيين يتطلعون لأن يشكل هذا الدوري مرحلة جديدة لكرة القدم اليمنية، تسهم في اكتشاف المواهب، ورفع مستوى المنتخبات الوطنية، وإعادة الفرحة للجمهور الذي اشتاق كثيراً للملاعب.
فرصة للتغيير
تشير آخر إحصائيات صادرة عن الاتحاد اليمني لكرة القدم إلى أن إجمالي عدد الأهداف المسجلة خلال الأسبوع الثالث من الدوري بلغ 35 هدفاً، غير أن رياضيين يرون أن الهدف الحقيقي الذي يهم اليمنيين يتمثل في اجتماعهم تحت راية السلام.
فالجمهور الرياضي تابع تسابق السياسيين ورجال الأعمال على تقديم الهبات والدعم المالي للأندية المشاركة في دوري كأس الجمهورية، كما تابع اهتمام وسائل الإعلام المحلية والعربية بالبطولة، واحتفاء صنعاء بنادي التلال العدني.
وفي هذا السياق، يشير عبده ياقوت، المشجع الرياضي وعضو رابطة المنتخب اليمني للناشئين، إلى أن الاستقبال الحار الذي حظيت به بعثة التلال في صنعاء «كان الرسالة الأجمل؛ فالمنافسة داخل الملعب، لكن المودة والترحاب في كل مكان». ويضيف أن نادي أهلي صنعاء لقي بدوره حفاوة مماثلة من الأهالي والجمهور الرياضي في مأرب، وهو ما يعكس تنامي الوعي بأهمية الرياضة في تعزيز السلام ببلد أنهكته الحرب.
من جانبه، يعتبر الكابتن أحمد الحيفي، لاعب المنتخب الوطني لكرة القدم ولاعب نادي النهضة العُماني، أن عودة الدوري اليمني تمثل «عودة للحياة»، ونافذة تبعث الأمل بعودة الأمن والاستقرار إلى اليمن.

ويلفت الحيفي، في حديثه مع «النداء»، إلى أن الأندية الرياضية في مختلف دول العالم تتجه نحو تسويق نفسها لرجال الأعمال بهدف جذب الاستثمارات، بينما ما تزال الأندية اليمنية تعتمد بدرجة كبيرة على الهبات المالية، في ظل واقع اقتصادي متردٍ انعكس على ضعف الإمكانات المتاحة للأندية.
ويضيف أن بعض الأندية تعجز حتى عن توفير أبسط الاحتياجات الأساسية للاعبيها وبعثاتها المشاركة في الدوري، ووصل الأمر ببعضها إلى عدم القدرة على توفير حافلات لنقل اللاعبين بين المحافظات لخوض المباريات.
ويرى الحيفي أن عودة الدوري تمثل فرصة للقائمين على إدارة الأندية لإعادة النظر في عقليتهم الاقتصادية والرياضية، بما يساعدها على مواجهة الالتزامات والاستحقاقات الكروية، متمنياً أن يتجه القطاع الخاص والشركات الكبرى إلى تبني الأندية الرياضية ودعمها، بما يسهم في النهوض بالرياضة وخلق فرص عمل لشريحة واسعة من المجتمع.
