الأربعاء 13 مايو 2026

سوق الربوع في التربة

حين حاول الاستبداد اختطاف زمنه الاجتماعي، كانت الأسواق الأسبوعية في الأرياف اليمنية أكثر من مجرد أماكن للبيع والشراء؛ لقد مثّلت إيقاع الحياة الزراعية والاجتماعية، وتشكلت أسماؤها وفق حركة العمل والزمن، فسوق الربوع ارتبط بيوم الأربعاء بوصفه يومًا تتوازن فيه حاجات الجسد مع راحة الروح، بعيدًا عن أي توظيف سلطوي للدين أو الجماعة.

غير أن مدينة التربة، في ظل الاستبداد الإمامي الفردي قبل ثورة سبتمبر، شهدت محاولة لاختطاف هذا الإيقاع الطبيعي للحياة. فقد جرى تغيير يوم السوق من الأربعاء إلى الجمعة، بأمر الحاكم الحلالي، حاكم قضاء الحجرية آنذاك، في خطوة لم تكن منفصلة عن رغبة السلطة في تحويل التجمعات الشعبية من فضاء اقتصادي حر إلى حشود خاضعة للتلقين السياسي والديني داخل الجامع الكبير بمدينة التربة، بعد أن تم بناؤه ولم يجد الحاكم مجتمعًا متقبلًا لخطابه، بل كانوا في روحية دينية أخرى غير سياسية.

كان ذلك الاستبدال استهدافًا مباشرًا للعمل المنتج؛ إذ يُفَوَّج الناس من السوق إلى المسجد، في الوقت الذي كانت القوى المنتجة تسعى فيه إلى تصريف فائض جهدها الزراعي والحرفي والرعوي ضمن اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاكتفاء الذاتي والتبادل أكثر من اعتماده على النقد.

ومن هنا لم يكن الاقتصادي منفصلًا عن السياسي؛ فثمة مجتمع يعمل وينتج، وثمة سلطة طفيلية تعيش على امتصاص فائض هذا الإنتاج، وتؤمن بمنطق القوة والغلبة أكثر من إيمانها بقيمة العمل والحياة، تعمل بمقولة اللهم اجعل رزقي تحت ظلال رمحي.

ولعل أغنية الفنان محمد مرشد ناجي، من كلمات الدكتور سعيد الشيباني، تختزل شيئًا من ذلك المزاج الشعبي الرافض:

بَكِّر من التربة غبش يُلالي

بيده سبيل بجيبه أمر عالي

كل السبب عساكر الحلالي

لم تكن مجرد أغنية، بل هي تنفيس عن علاقة طردية بين الناس والسلطة.

وبعد ثورة سبتمبر وقيام الجمهورية، عاد السوق إلى اسمه الطبيعي: "سوق الربوع"، ليستعيد ارتباطه بحاجات الناس والعمل ودورة الحياة، بعد أن كان يوم الجمعة قد اختُطف لصالح خطاب السلطة.

لقد ظلّت مدينة التربة تنتصر لمدنيتها باستمرار، بوصفها مدينة تنتمي للحياة والعمل، لا لهيمنة الاستبداد.

فكيف تحاول السلطة تغيير معنى الأيام نفسها، وتحويل الزمن من زمن عمل الناس وحياتهم إلى زمن خضوعها؟