عبده خواجه
استيقظت على أنين ينهش أحشائي.. صوت بطني الخاوي كان هو منبهي الوحيد.. في بلاد الغربة كان يئن من التخمة، من كثرة ما حشوته لأسكت وحشتي.. أما هنا.. فيئن من العدم.. ويا لبشاعة الفرق بين القليل واللاشيء.. القليل فيه خيط من أمل واهن أما اللاشيء فهو الموت يقرع الأبواب بلا استئذان.
زوجتي كانت قد استيقظت قبلي.. وجدتها تسخن ماء على حطب.. لا غاز..
قالت: الدبة بـ 15 ألف، ولها شهرين ما دخلت القرية..
سألتها والكلمة تخرج من حلقي كشوكة: وكيف تطبخون إذن؟
فأشارت بعينين ذابلتين: احيانا نكسر من سقف البيت الخشب القديم.. البيت يأكل نفسه كي نعيش نحن.. جدار يتآكل مقابل يوم إضافي من العمر..واحيانا نحطب!
سكبنا الماء الساخن في كوبين مكسورين وشربناه على أنه شاهي.. كذبة بيضاء نتجرعها كي يقتنع ابننا أن هذا هو الفطور.. كذبة لنصبره على الجوع، ونصبر نحن على الخيبة.
وفجأة رفع ابننا وجهه إلي وسألني بلهفة تقطع نياط القلب
: ياباه.. فين الكيك اللي وعدتني به؟
تجمد الدم في عروقي.. في مكالمة فيديو باهتة قلت له وأنا أتصنع الفرح
: لمن أرجع باجيب لك كيك كبير قد الجبل.. أنا نسيت.. نسيت كأب عاجز ينسى عجزه.. أما هو.. الابناء لا ينسون الوعود الذاكرة عندهم لا تعرف الخيانة.. لا والاهم هو بلغ السادس عشر وربما اكثر وسيقدر ذلك ..هززت رأسي عجزا.. يا الله.. حتى الكذب صار عملة نادرة لا أملك ثمنها.
خرجت أجر خيبتي إلى مركز المديرية.. كنت أحمل شهادتي الجامعية وخبراتي في كيس نايلون شفاف كي لا تذوب من عرق الهزيمة.. شهادة بكالوريوس محاسبة بتقدير جيد جدا.. ورقة كانت في الغربة لا تساوي شيئا أمام ورقة الإقامة وصارت هنا لا تساوي شيئا أمام ورقة الوساطة.
دخلت على مدير مكتب التربية.. كان زميلي على مقعد الدراسة في الثانوية.. كان يغش مني في اختبار الرياضيات ويتوسلني أن أمرر له الإجابة.. الآن هو يجلس على كرسي دوار من الجلد، وأنا واقف أمامه كمتهم..
قال لي
: ما في توظيف.. حتى المتعاقدين وقفنا رواتبهم.. البلد مفلسة..
قلت بصوت مات قبل أن يولد: طيب.. أي عمل.. حارس، فراش.. أي شيء..
انفجر ضاحكا ضحكة كسرت ما تبقى من عظامي
: الفراش عندنا معه ماجستير يا أستاذ.. انت متأخر كثير.. كثير جدا.
خرجت من مكتبه والدنيا تدور بي.. في الطريق كان هناك سوق شعبي للحياة المكسورة.. وهناك لمحته.. عبده.. عبده خواجه كما كنا نناديه في بلاد الغربة.. اسمه الحقيقي عبده الخفجي.. لكن بياضه الشديد جعل أهل تلك البلاد يطلقون عليه "الخواجه" فأعجبه اللقب ومشي الحال.. كان يعمل معي هناك.. وعاد هو الآخر خالي الوفاض، دون حقوق، بعد أن وكل زميلا آخر بمتابعة السراب..
وجدته واقفا خلف عربة خشبية يبيع اللحوح.. وبجانبه امرأة منقبة تبيع اللحوح أيضا لكن حظها من الزبائن كان أوفر.. الناس هنا يشترون من يد المرأة أكثر كأن الجوع نفسه يؤنث.. لمحتها ترمقني بنظرة طويلة متفحصة.. ربما أرادت أن أشتري منها أو ربما كانت تعرفني.
اقتربت من عبده وسألته والمرارة تملأ فمي: كيف السوق يا خواجه؟
وبعد ان تسالمنا سلاما حارا..تنهد تنهيدة خرجت من أعماق قبر: عدت مثلك على امل ان اجد طريقا اخر ...فقلت بان اقضي الوقت في عمل شيء ما فلم اجد غير بيع اللحوح ..انه بالفعل من سيء إلى أسوأ يا صاحبي.. الناس تشتهي اللحوح، بس جيوبها فاضية.. نبيع بالدين والدين يموت قبل أن يولد من يسدده..
اشتريت منه قرصا بمئتي ريال.. دفعتها من آخر ورقة مبللة بالعرق والدمع من الثلاثة والأربعين دولارا المتبقية من عمري.. ناولني القرص ونظر إلى وجهي بعين خبير وقال: شكلك ما تعشيتش أمس....
لم أجبه.. بل سألته لأهرب من سؤاله: هل تتابع مع الشباب موضوع حقوقنا؟
قال عبده خواجه: نعم.. نتابع الوهم..
قلت له: وصلتني رسالة من زميلنا.. يقول إن أمر الصرف قريب.. ثم سألته.. ماذا ستفعل بمبلغ حقوقك لو جاء؟
صمت قليلا ونظر إلى الأفق البعيد كأنه يرى بلادا أخرى، ثم قال بجملة كانت خلاصة وجعنا كلنا:
سأبحث عن بلاد أخرى أعيش فيها غريبا من جديد..
قلت: واليمن؟
ضحك ضحكة خالية من الروح وقال
: اليمن .. نحن نموت غرباء فيها.. حتى لو كان معنا مال قارون وقصور الملوك.. اليمني بطبيعته غريب.. غريب في المنفى، وغريب في وطنه.. ومادام الأمر كذلك.. خلينا نعيش غرباء هناك على الأقل، حيث يكون للغربة ثمن..
أخذت قرص اللحوح البارد، ومشيت.. كان طعمه في فمي كطعم التراب.. وطعم كلام عبده خواجه كان أمر من التراب نفسه.
للبقية تتمة..
