الجغرافيا التي شهدت ضد سكانها
في نشرة رسمية
قالوا
تم تأجيل الحقيقة إلى إشعار آخر
فاطمأنت اللغة
لأنها لا تحب المواعيد المباشرة
ووقع الوطن
بأصابع لا تخص أحدًا
ثم اكتشف أنه يوقع على نفسه كل يوم
ولا يتقدم خطوة
أيها المواطنون
نحن بخير
طالما أن الخرائط لا تقترب منا كثيرًا
نحن نعيش في دولة متوازنة
نميل قليلًا
لنثبت أنها مازالت حية
لدينا خطة
اسمها
سنفهم ما يحدث لاحقًا
وحتى ذلك الحين
يرجى التصفيق عند الشعور بالحيرة
التكتيك هنا
ليس علمًا
بل عادة يومية
ننسحب كي نرى
ونتقدم كي ننسى
نربح المعارك
في البيانات فقط
أما الأرض
فتبقى في حالة استراحة
تنتظر من يشرح لها الاتجاه
الشاعر هنا
موظف في وزارة المجاز
يكتب عن الدم
بصيغة محايدة
ويستعير من النهر
لهجة رسمية
وكلما أراد أن يقول أرض
قال مشروع معنى قابل للتفاوض
وفي الليل
يقرأ قصائد محمود درويش
ثم يعتذر لنفسه
لأنه شعر للحظة
أن اللغة كانت تعنيه فعلًا
نحن الموقعين أدناه
لا نعرف لماذا وقعنا
نعلن أن الانتصار
مسألة توقيت
لا علاقة له بنا
ونعلن أن الهزيمة
قيد الدراسة
ونعلن أن الحقيقة
في إجازة مفتوحة
أما نحن
فنمارس الحياة
كمن يتدرب على الغياب
بشكل احترافي
في الأكاديميات العليا
يدرس الانتصار كالتالي
إذا خسرت
فأنت في مرحلة متقدمة من الفهم
إذا ربحت
فأنت لم تدرك بعد أنك خسرت بطريقة أجمل
أما نحن
فنخصل على الشهادة ذاتها
في الحالتين
ونعلقها على جدار لا يعترف بالجدران
نحن لا نمشي
نحن يعاد ترتيبنا أثناء الحركة
كل خطوة للأمام
تحتاج موافقة جهة خلفية
وكل خطوة للخلف
تسجل كاختراق استراتيجي
أما الثبات
فهو نشاط خطير
يصنف ضمن محاولات التفكير
لدينا قائد
يصل دائمًا بعد الحدث
وحين يصل
يشرح الحدث بشكل أدق مما وقع
ثم يطلب من التاريخ
إعادة المحاولة
بنسخة أكثر قابلية للإقناع
والتاريخ كموظف مرهق
يهز كتفيه
ويبدأ من جديد
الخرائط عندنا
بدأت تشكو من الإرهاق
بعضها يميل إلى الحنين
وبعضها يرفض الاتجاهات كلها
خريطة الوطن
أصبحت ترسم نفسها كل ليلة
ثم تمسح نفسها صباحًا
حتى لا تتهم بالوضوح
الشاعر هنا
لم يعد يكتب
بل يجري عمليات جراحية على المعنى
يستأصل كلمة يقين
ويترك مكانها ضمادة
يخيط جملة حرية
بخيط قابل للانتحار
ثم يكتب تقريرًا المريض مستقر في حالة ارتباك جميل
التكتيك هنا
ليس وسيلة للوصول
بل طريقة أنيقة لعدم الوصول دون أن يبدو الأمر فعلًا
نحن نتقن الانحراف
حتى أصبحنا لا نعرف الخط المستقيم إلا كفرضية
وكلما اقتربنا من الهدف
أعدنا تعريف الهدف
كي لا نحرجه بالوصول
نعلن أن الواقع
تمت ترقيته إلى نسخة تجريبية
وأن الحقيقة
لاتزال تعمل في الخلفية
لكن بدون تحديثات أمنية
وأن المواطن
أصبح وظيفة بدوام كامل
في شرح ما لا يفهمه
ونعلن أيضًا
أننا بخير
بشكل يجعل السؤال نفسه يبدو عدوانيًا
إذا كان هناك انتصار
فنحن لم نستلمه بعد
وإذا كان هناك هزيمة
فنحن في طور الترجمة
أما التوازن
فقد شوهد آخر مرة
وهو يغادر المكان بهدوء
كي لا يلفت الانتباه
أيها المواطنون
لا داعي للذعر
فالذعر مؤجل إلى إشعار آخر
نحن في حالة استقرار
قابلة للانفجار في أي لحظة
وذلك دليل صحة النظام
تمت مطابقة الفوضى مع المعايير الدولية
بنسبة دقة مقلقة
يرجى من الجميع
التصرف كأن كل شيء مفهوم
حتى لو لم يكن كذلك
لدينا وزارة رسمية
تدير السقوط الوطني باحتراف
كل انهيار
يعاد تصميمه ليبدو كخطة
كل ارتباك
يصنف كمرونة مؤسسية
وكل صدمة
تحول إلى فرصة لإعادة التوازن
الموظفون هناك
يتدربون على فقدان المعنى
بشكل تدريجي
حتى لا يحدث فهم مفاجئ
لدينا قائد
لا ينتظر الأحداث
هو يسبقها بخطوة
ثم يشرحها قبل أن تحدث
يقول
ما سترونه بعد قليل
هو انتصار مؤجل على شكل هزيمة
ثم يصفق
ليتأكد أن الجمهور مازال حيًا
والجمهور يصفق
ليتأكد أنه غير متورط
الحدود هنا
لم تعد تفصل بين شيء وشيء
بل بين احتمال وآخر
كل خط على الخريطة
هو اقتراح قابل للمراجعة
الجنود
يحرسون فكرة المكان
لا المكان نفسه
والأرض
تسأل كل صباح
هل مازلت هنا؟
ولا يأتيها جواب رسمي
الشاعر
لم يعد يكتب
هو جهاز إنذار لغوي
يرن عندما تصبح الجملة صادقة أكثر من اللازم
يصدر صوتًا حادًا
كلما اقتربت الكلمة من معناها
ويحذف تلقائيًا
أي صورة تؤدي إلى الفهم
ثم يوقع تقريره اليومي تمت حماية اللغة من نفسها
بنجاح
التوازن هنا
ليس حالة
بل مشروع حادث مستمر
كل طرف يبقي الآخر حيًا
كي لا يسقط النظام في وضوح قاتل
نحن لا نمنع الانهيار
نقوم فقط بإبطائه
حتى يبدو كسياسة
والسقوط عندنا
نوع من الاستقرار الذي لم يجد اسمه بعد
نعلن أن الحقيقة
تمت إحالتها إلى لجنة تقييم
وأن الواقع
قيد إعادة الصياغة
وأن اللغة
تخضع للتحقيق لأنها قالت شيئًا قريبًا من المعنى
أما نحن
فنؤكد أننا بخير
بدرجة تجعل الخير نفسه
يطلب إجازة طويلة
لا يوجد سقوط كامل
لأن السقوط الكامل يحتاج اعترافًا
ولا يوجد استقرار
لأن الاستقرار يحتاج ذاكرة
نحن فقط
نعيش في منطقة رمادية
تدار بدقة
حتى لا نلاحظ أننا لا نقف على أي شيء
أيها المواطنون
نبلغكم رسميًا
أن الوصول قد تم قبل بدء الرحلة
لذلك
تم إلغاء الطريق
واستبداله بنقطة وصول دائمة
يرجى من الجميع
التصرف كأنهم وصلوا
حتى لو كانوا مازالوا في البداية
خصوصًا إذا لم تكن هناك بداية أصلًا
لدينا هنا أكاديميات وطنية للبطولة
الشرط الأول للقبول
ألا تفعل شيئًا واضحًا
الشرط الثاني
أن تفسر أفعالك لاحقًا
بشكل أكثر شجاعة مما كنت تقصده
الطلاب يتخرجون بامتياز
في فن عدم القيام بالفعل
لكن مع تقارير بطولية دقيقة عنه
لدينا بطل وطني
لم يحضر أي معركة
ومع ذلك
يذكر اسمه في كل بيان نصر
يقال إنه كان هناك
بشكل رمزي جدًا
لدرجة أنه لم يره أحد
لكنه قاتل بشجاعة
في الوثائق الرسمية
وهزم العدو في الهامش
العدو هنا
ليس طرفًا
بل وظيفة تنظيمية
نحتاجه كي نبرر اللغة
كي نحدد اتجاه التصفيق
كي نبقي الخرائط مستيقظة
أحيانًا
نجري عليه تحديثات
حتى يواكب الخطط التي لا نملكها
الشاعر الآن
لا يكتب القصائد
بل ينتج احتمالات شعرية
كل كلمة تمر عبره
تخرج بعكس اتجاهها
الوطن يصبح مسافة
الحرية تصبح تأجيلًا
الذاكرة تصبح تقريرًا إداريًا متعبًا
ثم يرسل المنتج النهائي
إلى قسم التفسير
حيث لا أحد يقرأه
بل يعاد تأويله تلقائيًا
التكتيك وصل هنا إلى ذروته
لم نعد نتحرك لتجنب الخسارة
بل لتأجيل إدراك أننا خسرنا أصلًا
كل خطوة محسوبة
لتمنع أي معنى من الاستقرار
حتى النصر
إذا حدث
يعامل كخطأ في النظام
ويعاد تصحيحه فورًا
نعلن أن البطولة
أصبحت ملكية عامة
لا تحتاج إلى ممارسة
فقط إلى التواجد أثناء تفسيرها
كل مواطن
بطل محتمل
طالما لم يثبت العكس
وطالما لم يحدث شيء فعلي
نحن أمة منتصرة
في اللحظة التي تسبق كل شيء
وتنجو دائمًا
من الوقوع في الواقع
الأبطال هنا
لا يصلون لأنهم وصلوا مسبقًا
والأحداث
لا تقع لأنها سجلت قبل حدوثها
أما الحقيقة
فقد استقالت
وتركت لنا نسخة تجريبية منها
تعمل دون ضمانات
انعقدت المحكمة اليوم
للنظر في تهمة اللغة
بأنها قالت أكثر مما ينبغي
القاضي جملة خيرية
والمدعي العام استعارة قديمة
الدفاع كلمة ربما
والتهمة الرسمية
إساءة استخدام المعنى في ظروف غير ملائمة
أحضرت كلمة وطن إلى المنصة
سئلت
هل كنت تعنين شيئًا أم كنت تعملين بوظيفة رمزية؟
أجابت
كنت أستخدم بشكل مفرط
ولم أعد أتذكر أهلي
سجل في المحضر
كلمة الوطن غير مستقرة عاطفيًا
وتحتاج إلى إعادة تأهيل دلالي
جاء الضمير الغائب
متأخرًا كعادته
قال
أنا لا أحضر إلا عندما يساء فهمي
ثم أضاف
كلما قلتم نحن
كنت أختفي أكثر
فأصدر القاصي حكمًا مؤقتًا
إدانة الحضور بسبب الغياب المتكرر
الشعر متهم بـ
تضليل الوقائع بالصور
تحويل الألم إلى قابلية للقراءة
جعل الكارثة تبدو جميلة
وإرباك السلطة اللغوية العليا
الدفاع
أنا مجرد احتمال جمال
الحكم
تأجيل النطق لأن الحقيقة لم تحضر الجلسة
الشاعر هنا لم يعد يكتب
بل يستدعى للشهادة ضد ما كتب
يقول
لم أقصد أن أفهم العالم
كنت أختبر هشاشته فقط
ثم يطلب منه تفسير جملة قديمة
فيصمت
لأن الجملة أصبحت طرفًا مستقلًا في القضية
ولا تحتاجه
الحقيقة تم استدعاؤها
لكنها رفضت الحضور
أرسلت رسالة مكتوبة
أنا متعبة من الاستخدام المتكرر
ومن كثرة الشهود الذين لا يتذكرونني
فقررت المحكمة
الحقيقة غير صالحة للاستعمال المؤقت
وتحتاج إلى إعادة ضبط المصنع
التوازن نفسه
دخل ملف القضية
لأنه شوهد أكثر من مرة
دون أن يثبت وجوده
قال الدفاع
هو مجرد فكرة تنظيمية
قال الادعاء
بل هو وهم إداري يبرر كل شيء
فقررت المحكمة
إبقاءه قيد الإقامة الجبرية داخل النص
في نهاية الجلسة
لم يُدن أحد
لأن كل شيء كان لغويًا أكثر من اللازم
خرجت الكلمات
وهي تتجنب بعضها
وتفك المعنى
إلى شظايا قانونية صغيرة
أما اللغة
فتم تعليقها مؤقتًا
حتى إشعار آخر من نفسها
أعلنت المدن استقلالها عن البشر
وقالت في بيان رسمي
لقد تعبنا من تمثيلكم
وأضافت
أنتم تسكنونا
لكننا نحن من نصفكم في التقارير
ثم أغلق البيان
بسبب ازدحام في المعنى
مدينة قالت في نشرة المساء
لا يوجد سكان هنا
هناك فقط حركة عابرة لأجسام غير مستقرة
المقاهي أيدت البيان
والمباني امتنعت عن التعليق
أما الأرصفة
فقد قدمت بلاغًا ضد الأقدام
بتهمة الإزعاج المزمن
الشوارع بدأت بالشهادة
قال واحد
رأيتهم يمرون دون أن يفهموا أنهم مذكورون في الخرسانة
وقال شارع آخر
كل خطوة كانت محاولة فاشلة لترك أثر غير قانوني
ثم أرفقت الشهادات
بصور ضبابية جدًا
حتى لا تخرج الحقيقة
أصدرت الوزارة بيانًا عاجلًا
السكن لم يعد حقًا
بل علاقة غير متوازنة مع المكان
بعض المواطنين يعيشون في مدن
لم تعد تعترف بهم منذ سنوات
وأضاف البيان
نرجو من الجميع احترام حدود الجدران النفسية
هناك مدينة
لا تستخدم أنا أبدًا
تقول
يلاحظ أن هذا المكان كان صالحًا للعيش سابقًا
ثم تضيف
تجدر الإشارة إلى أن السكان السابقين
لم يعودوا ضمن النسخة الحالية من الخريطة
المعنى فيها
يعمل بنظام إخلاء دائم
الشاعر هنا
أصبح حالة شاذة في المدينة
كلما كتب مكان
تم تصحيحه تلقائيًا إلى احتمال مكان
كلما قال بيتًا
صدر تنبيه
مصطلح غير معتمد ضمن تحديثات الواقع الأخيرة
فبدأ يكتب على نفسه
كي لا يتم حذفه من الطبوغرافيا
المدينة لم تعد خلفية للأحداث
بل أصبحت قاضية
تراقب سكانها
من خلال النوافذ
كي لا تفتح الأبواب إلا للاستجواب
كل من يمر
يسجل كواقعة غير قابلة للتفسير
وليس كوجود فعلي
في نهاية اليوم
لم يعد أحد متأكدًا
هل يسكن المدينة
أم أن المدينة تسكن تقريرًا عنه
الخرائط صامتة
لكنها تكتب ملاحظات سرية
والأرض تبدو منشغلة
بإعادة تعريف من يحق له الوقوف عليها
أيها المواطنون
نبلغكم أن المعنى
تم تحديثه إلى النسخة الأخيرة
النسخة الحالية
صامتة بالكامل
لكنها تعمل بكفاءة عالية
يرجى عدم محاولة قراءتها
لأن القراءة تعتبر تدخلًا في الغياب
عقد اجتماع طارئ
الحضور
كل من لم يقل شيئًا منذ البداية
الموضوع
لماذا أصبح كل شيء مفهومًا بشكل مفرط
الصمت
تحدث باسم الجميع وقال
أنا لست غيابًا
أنا كثافة لم تترجم بعد
ثم سجلت الجلسة
على أنها دليل إضافي ضد التوضيح
تم استدعاء الكلمات للشهادة الأخيرة
جاءت كلمة حرية متأخرة
وقالت
كنت أستخدم كثيرًا لدرجة أنني فقدت اتجاهي
وجاءت كلمة وطن
ولم تتعرف على نفسها في المرآة اللغوية
أما كلمة حقيقة
فلم تحضر
وأرسلت اعتذارًا مكتوبًا
أنا في إجازة في كل من يطلب مني الإثبات
الشاعر الآن
لم يعد يكتب حتى الصمت
بل يراقبه فقط
يحاول أن يلتقط جملة واحدة من الغياب
لكن الغياب صار منظمًا أكثر من اللغة
كلما ظن أنه فهم شيئًا
تدخل لجنة التوضيح الوجودي
وتحذف الفهم قبل أن يكتمل
المدينة التي كانت تتكلم
بدأت تقلل من صوتها تدريجيًا
ثم أعلنت
نحن لا نرفضكم
نحن فقط لم نعد بحاجة لوصفكم
أغلقت شوارعها
ليس احتجاجًا
بل الأرامل لفكرة أن لا أحد يمر فعليًا
وأصبحت المباني
تتنفس بصمت قانوني
التوازن لم يعد حالة
بل أثر جانبي لعدم حدوث أي شيء
كل شيء متساوٍ
لأن لا شيء يتحرك بما يكفي ليكسر المساواة
حتى السقوط
أصبح افتراضيًا
ويحتاج إذنًا مسبقًا ليحدث
لا نعلن نهاية
لأن النهاية تتطلب بداية مؤكدة
ولا نعلن بداية
لأن البداية تم تأجيلها منذ أول جملة
نكتفي بأن نقول
كل ما حدث هنا
كان محاولة محترمة
لعدم الفهم بشكل جميل
وأن اللغة
حين حاولت أن تقول كل شيء
اكتشفت أنها قالت
أقل ما يمكن قوله
وهكذا لا تنتصر الحكاية ولا تنهزم
بل تتوازن
بطريقة لا يمكن التحقق منها
ويبقى السؤال الأخير معلقًا بلا جملة
هل كنا نتكلم عن العالم
أم كان العالم يتكلم عنا
ويحذفنا أثناء الكتابة؟
