محمد شاهر.. أحد الموجوعين
لم أنسَ تلك الليلة.
كنا لا نزال في مقر مؤسسة سبأ العامة للصحافة والأنباء في بيت التويتي أمام سور القيادة، شارع المطار.

كانت الصحيفة "الثورة" في الطابق الأسفل.
وفد إلينا محمد شاهر بوسامته وأناقته وضحكته التي تسبقه.
احترت ما بيني وبيني: "ماذا سيفعل هنا؟!"
صرحت بما في نفسي.
قيل:
يتولى إعداد استراحة الصحيفة.
استراحة الصحيفة!!! كل هذه الهيبة تعد الاستراحة التي يمكن أن يحررها محرر مبتدئ.
جاء محمد شاهر إلينا من مصر بعد استشهاد الصف الأول من الناصريين، ومن الهمس فهمت أنه سيكون بديلاً ما…
لم يستمر طويلاً.
غاب.
عاد مديرًا عامًا مساعدًا.
كنا في اجتماع، قال الأستاذ الزرقة في لحظة استفزاز:
"من تشوف نفسك؟ هيكل؟"
أعجبني رده، أعجبني جدًا، قالها:
"هيكل إنسان، وأي واحد منا يمكن أن يكون هيكل آخر."
ذهب.
تولى صحيفة الميثاق وأجاد فيها.
تولى بعدها وكيل وزارة الإعلام للصحافة، حتى عاد إلى البيت.
كان رحمه الله نزيهًا، محترمًا، صريحًا إلى حد الألم.
عاد إلى البيت.
عانى.
تواصلت معه.
شكا لي بمرارة من الظروف.
قلت له:
"سأكتب."
ناشدني بحق الزمالة والصداقة ألا أفعل.
هاجمه المرض وكذلك زوجته الكريمة.
تحمل وتحمل وتحمل بكرامة لا حدود لها.
ظلِلنا على تواصل، وكلما اتصل به يفرح كثيرًا.
قال:
"تحسسني أن الدنيا لا تزال بخير."
لم يشكُ لأحد.
ظلِلنا معًا نتبادل المعلومة حول نصف الراتب، حتى انقطع!!!
فقلت: يا الله، عندك المخرج.
أفتح عيني صباحًا على كل الأصدقاء، حرصًا على تبادل تحية الصباح التي تحسسك أن الناس لا يزالون يحملون مشاعر الود برغم القسوة…
لاحظت أنه لم يرد على تحية إحدى الصباحات.
كررت.. انتظرت.. اتصلت.. لم يرد.
حتى فاجأتني صفحة الأستاذ أحمد ناجي النبهاني بخبر وفاته.
شعرت بحزن العالم يلف مشاعري.
بكيت.
كنت أعرف أنه موجوع، ومات موجوعًا، شريفًا، نزيهًا، ودودًا…
آخر الموجوعين…
آخر رسالة من زميلنا وصديقنا الثالث حسين باسليم:
"أحس بألم لوفاته."
قلت: وأنا كذلك.
سلام عليك،
محمد شاهر حسن القرشي.
