حين حلمتُ بيمنٍ آخر
استيقظ سالم على ضجيجٍ مألوف، لا يمكن تمييز بدايته من نهايته. أصوات باعة، ارتطام أوانٍ، وأزيز مولدٍ ينسج من بعيد مقطوعة موسيقية غير متناسقة لا تنقطع. مدّ يده نحو هاتفه، قلّب الأخبار سريعًا، نفس الأخبار، نفس الوجوه، ونفس الإحساس بأن الأيام تتكرر دون أن تتغير، ثم تركه كما لو أنه يعيد شيئًا إلى مكانه دون اقتناع.
غسل وجهه على عجل، وخرج من البيت متجهًا نحو المقهى القريب بخطوات يعرفها جيدًا. كان ذلك طقسه اليومي، كوب شاي يسبق أي محاولة لفهم ما تبقى من يومه. لم يكن يبحث عن الشاي بقدر ما كان يبحث عن لحظةٍ عالقة بين ما هو كائن… وما يمكن أن يكون.
المقهى كان ممتلئًا كعادته. رجال يتبادلون الحديث، بعضهم يضحك، وآخرون يناقشون السياسة بنبرة حادة. جلس في زاويته المعتادة، ألقى التحية، وجاءه الشاي دون أن يطلب، فالأماكن التي تتكرر، تحفظ عادات روّادها أكثر مما تحفظ وجوههم.
رفع الكوب، وتأمل البخار المتصاعد. كان يتشكل… ثم يتلاشى. كأفكارٍ لا تكتمل.
حولَه، كانت الأحاديث تتقاطع. كلمات تتصل ثم تنفصل: حق، خوف، سلم، حرب، أحقية. كلمات عن الانتماء، عن “من مع من”، عن خطوط لا تُرى لكنها تفصل الجميع. تنهد سالم، وأبعد نظره. لم يكن النقاش صاخبًا بقدر ما كان مثقلًا بشيء غير مرئي، كأن كل كلمة تحمل ظلًّا أطول منها.
أغمض عينيه.
ليس هروبًا… بل اختبارًا.
حين فتحهما، لم يتغير المكان… لكنه لم يبقَ كما كان.
المقهى ذاته، لكن الصمت فيه لم يعد غيابًا للصوت، بل حضورًا للطمأنينة. الأحاديث مستمرة، لكنها لا تتصادم. الاختلاف موجود، لكنه لا يبحث عن غالبٍ ومغلوب.
وُضع الشاي أمامه.
“تفضل... يومك سعيد!”
كلمة عادية… لكنها بدت خالية من أي شرط.
تأمل الوجوه حوله. لم تعد مقروءة بانتماءاتها، بل بإنسانيتها. لا أحد يحاول أن يثبت أنه على حق على حساب الآخر، وكأن المكان اتسع فجأة… دون أن يكبر.
خرج إلى الشارع.
الشارع كما هو، لكن بلا توتر. لا نقاط تفتيش، ولا وجوه متجهمة. الناس يسيرون بثقة، وكأنهم يعرفون أن الطريق لهم جميعًا، لا لبعضهم فقط.
الأشياء في مواقعها، لكن معانيها تغيّرت. الطريق لم يعد ممرًا للعبور فقط، بل مساحة مشتركة لا يضيق بها أحد. الخطوات أكثر ثباتًا، والنظرات أقل حذرًا.
مرّ بجانب شابين يتحدثان. لم يلتقط من حديثهما سوى فكرة مشروع، لا عن أصله أو منطقته. ابتسم دون وعي.
واصل السير، حتى توقف عند باب مدرسة. لم يكن هناك ما يلفت الأنظار، سوى أن الأطفال في الداخل يضحكون. سأل طفلًا يقف عند المدخل:
“ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟”
نظر إليه الطفل، كما لو أن السؤال بسيط أكثر مما يجب.
“أي شيء أقرر أني أريده.”
لم تكن إجابة… بقدر ما كانت حالة.
أكمل طريقه، وكل خطوة كانت تثقل قلبه بشعور مزدوج: فرح بما يرى… وخوف من فقدانه.
ثم سمع الصوت.
بعيدًا… ثم قريبًا.
ارتطام ملعقة. ضحكة مرتفعة. كلمة تقطع أخرى.
“سالم! سرحت بعيد اليوم”
فتح عينيه.
المقهى عاد كما كان. الكوب أمامه، وقد برد نصفه. البخار اختفى، كما تختفي الأشياء حين لا ننتبه لها.
الأحاديث استعادت حدّتها، والوجوه عادت إلى تصنيفاتها غير المعلنة.
بقي صامتًا.
نظر حوله، لا ليتأكد مما يرى… بل ليقارن بما رأى.
رفع الكوب، شرب ما تبقى، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنها لا تخص أحدًا سواه.
همس لنفسه، بطريقة بالكاد تُسمع:
“حتى لو كان حلمًا… فهو ممكن”
وضع الكوب، وأعاد نظره إلى المكان.
هذه المرة… لم يرَهم كما اعتاد.
بل كما يمكن أن يكونوا.
