الخميس 30 أبريل 2026

يوميات (2)

وصلت القرية ..كان الأذان ينساب من المئذنة واهنا متقطع الأنفاس، كأنه زفرة شيخ يتحشرج صدره بالموت، يستغفر لذنبه قبل أن يستغفر للناس.. كأن الصوت نفسه قد شاخ مع الحجارة.

بيت جدي الطيني لا يزال واقفا، لكنه مثلي تماما.. مائل على شفير السقوط..بدا لي ككتف أيمنه مكسور ومخلوع عن جسده، يحاكي كتفي الذي انكسر ألف مرة في دروب الغربة..

يا للشبه الذي يدمي القلب!

صورة رمزية أنشأت بالذكاء الاصطناعي

دفعت الباب الخشبي العتيق.. فما كان صريره صرير خشب يابس بل كان أنينا صاعدا من جوف الأرض.. أنين كل الأحبة الذين ودعتهم بالهاتف وهم على حافة القبر، وأنا هناك في البعيد..
لم أصل عليهم، لم أقبل جباههم الباردة.. جاءني الخبر باردا كسيف في الهاتف
: ادع له، وهذا ما في يدك.. قالوا لي: جعله الله آخر الأحزان.. وما دروا أن الأحزان لا آخر لها، وأنها تتكاثر في دمي كالوباء.
في الداخل، وجدتها.. زوجتي.. كانت مفترشة الأرض كأنها جزء منها، وفي يدها إبرة ترقع ثوب ابننا... لكن الإبرة لم تكن تخيط قماشا، بل كانت تخيط الفقر نفسه في ثوبه.. كانت تخيط جراحنا كلها بخيط من صبر واهن.
لما وقع بصرها علي، لم تنهمر دموعها.. فاليمنيات لا يبكين في حضرة الكوارث.. يؤجلن الدمع إلى يوم موعود لا يأتي ويخزن القهر في عروقهن حتى يصير ملحا.
قالت بصوت هدوءه يقتل أكثر من الصراخ: جيت..
كلمة واحدة كانت نعيا لكل شيء.. لم تقل الحمد لله على سلامتك.. هي أيضا تعرف الحقيقة المرة.. تعرف أن السلامة خذلتني، وأنني أنزلتها من كتفي على سلم الطائرة في عدن، وتركتها هناك لتنتظر عائدا آخر غيري.
اقتربت منها.. فلفحتني رائحة تسكن ثوبها رائحة لا يخطئها أنف مغترب عاد توا من المنفى.. هي مزيج موجع من بقايا إدام يابس التصق بقاع القدر منذ أيام، وصابون رديء لا يعرف الرغوة إلا في الأحلام وعرق جسد لم يشبع منذ أن غابت شمسنا.. رائحة وطن بأكمله يتداعى.
ضممتها إلى صدري.. فلم أجد إلا عظاما نافرة.. كان ظهرها سلسلة جبال من القهر، تحسستها بكفي فارتعشت روحي.. همست في أذنها، وكأني أعتذر للدهر كله
: سامحيني..
فأجابت دون أن ترفع رأسها عن رقعة الثوب: على أيش؟
قلت والخزي يخنقني: لأني جعلتكم تتقدموني إلى ساحة الحرب، وتركتكم وحدكم تصارعون وحوشها بأظافر عارية..كنت امل بان احصل على حقوقي على الاقل كي تتماسكوا وتكونوا قادرين على خوض الحرب لحين اجد عملا اخر ولكن....
فأجابت وهي لا تزال تغرز الإبرة في جسد الفقر: الغربة سيف مسلول واليمن سيف مسلول.. وأنت كنت بينهما تنزف.. أما نحن.. فاحترقنا بكليهما..امل بان جئت حاملا على الاقل حقوقك.
ما إن بدأت أخبر زوجتي أنني لم أعثر على عمل هناك خلال الستة أشهر الماضية وكنت خلالها أواصل البحث عن عمل آخر وأتابع مع زملائي حقوقنا لدى الشركة التي سرحتنا ولم نحصل عليها إلى اليوم، أوضحت لها أنني أمام صعوبة البقاء هناك وتأخر الحقوق وكلت أحد زملائي بمتابعة حقوقي مع حقوقه، وعدت، إذ كان من المتعذر علي الاستمرار في ظل تلك الظروف الشديدة حتى دخل ابني ذلك الفتى الذي يشارف على بلوغ السادس عشر من عمره، والذي.. يا إلهي.. بدا لي كأنه كبر كثيرا. رجلا لم يكتمل.. نصفه طفل يبحث عن حضن، ونصفه شيخ هرم أرهقته الحياة قبل أن تبدأ..هذه هي اليمن.. يا وجع اليمن. هي التي تجعل الصغار يكبرون سريعا، ترضعهم القهر مع الحليب، وتلبسهم الهم قبل أن تلبسهم الثياب.
رأيته واقفا عند الباب. نحيلا كعود قصب ضربته الريح، وعيناه واسعتان كأنهما رأتا من الخراب ما لا يقال.. للحظة لم أصدق. هذا بني الذي كان يسألني عن الكيك؟
ارتميت عليه كمن ارتمى على قبر عزيز. شممت رائحته.. لم تعد رائحة الحليب والصابون. كانت رائحة طريق طويل، رائحة عرق وغبار وخوف، رائحة غربة لصقت بثيابه الصغيرة...بلهجة من اكتشف سرا محزنا كان يخاف أن يعرفه، همس وهو يبلع غصة في حلقه
: ياباه.. لقد تغيرت كثيرا..
وابتلعت غصتي.. لم أشأ أن أقول له إنه هو الذي تغير وإننا جميعا في هذا البيت المائل على حافة القبر قد تغيرنا.. صرنا مسوخا للحرب والخيبة.
يا إلهي! ارحمنا..
في الليل، لفظ لوح الطاقة الشمسية أنفاسه الأخيرة فابتلعنا الظلام.. قالت زوجتي وهي تنفخ في جمر العتمة
: لها شهرين، في الليل تخوننا وتطفأ..
سألتها وقلبي يئن: وكيف تعيشون؟
أجابت بذلك الهدوء القاتل ذاته: مثل الناس.. وكأن الناس كلهم أموات يتنفسون.
أوقدنا فانوسا عتيقا.. كان جدي قد جلبه من منفاه في الحبشة كأنه فتح مبين وكان لأهل القرية يومها معجزة.. أما الليلة، فضوءه الأصفر الشاحب لم يكن نورا، بل كان جلادا.. فضح كل عوراتنا.. الجدران متشققة كأنها جلد عجوز بلغت من القهر عتيا، وصحن بلاستيكي وحيد يتوسط المكان كأنه شاهد قبر على وليمة لم تكن، وكيس الدقيق الفارغ معلق في الزاوية كذكرى معلقة لجثة شبع قديم.
قالت وهي تنظر إلى الفراغ: ابن عمك مر صباحا.. يقول إن فلوسك قد وصلت معك..
فانفجرت من حلقي ضحكة جارحة كقطعة زجاج: أي مال؟ واي فلوس.؟
أكملت: يقول إنك قبضت حقوقك ..مستحقاتك من الشركة، وتخفيها عنا..
هذا هو الخبر الذي سبقني.. في الغربة كانوا يرمونني بتهمة الفقير، وفي القرية استقبلوني بتهمة الغني الكاذب.. يا لويل المكسور..هو المدان في كل المحاكم.
وبعد عشاء كان عصيدا معجونا بماء وملح ودمع، طرق الباب طرقا ليس فيه أدب الضيف.. دخل ابن عمي بلا سلام وعيناه لم تقعا علي، بل على الكيس الأسود الصغير بجانبي، كأنه يرى فيه كنز قارون..
قال ببرود: الحمد لله على السلامة.. طولت الغيبة.. أكيد جبت معك الخير كله..
قلت له والمرارة تملأ فمي: جئت بالضغط والسكري، وقلب مثقوب..
ضحك ضحكة صفراء: ههه.. أمانة عليك، الدين الذي بيننا له سنين.. ثلاثمائة ألف.. وأنا صبرت صبر أيوب.. واليوم تساوي مليونا بسعر الصرف..
نظرت إلى زوجتي.. كانت قد طأطأت رأسها للأرض كأنها تدفن كرامتها.. قلت له بصوت مات قبل أن يولد: والله ما أملك ثمن دواء لقلبي.. لكن حقوقي من الشركة قريب وتصلني ، وعندها..
قاطعني والشرر يتطاير من عينيه: عيب عليك.. القرية كلها تدري أنك قبضت ثلاثين ألف دولار.. تريد أن تأكل حقي؟ والله لأفضحنك في كل ديوان.
وأغلق الباب خلفه بعنف كأنه يهدم جدارا.. سمعت صوته في الزقاق المظلم يصرخ لجار: جاء مفلسا ويدعي الغنى.. هؤلاء المغتربون كلهم كذابون!
: ثلاثون الف..ومن اشاع باني قبضت على هكذا مبلغ..كل شيء مضخم حقا!
: على اثر ذلك اضطرت للاستدانة من بعض قريباتك ما يقيم اودنا..
في تلك الليلة أدركت أن الحرب لم تضع أوزارها.. لقد خلعت بزتها العسكرية في المطار، وارتدت جلبابها وغيرت عنوانها من صفحة جواز سفري إلى عتبة بابي.
ضممتهما إلي زوجتي وابني وقلت لهما والليل يطبق على صدورنا
: ديوننا.. سنطرق أبواب الدائنين والدائنات واحدا واحدا، حفاة مطأطئي الرؤوس، ونقول لهم..اصبروا ..اصبروا..، فوالله ما عاد في الجيب إلا الهواء، وما عاد في اليد إلا الكرامة العارية التي نخاف أن نبيعها فنجوع مرتين.. أما هذا البيت المائل.. هذا القبر الذي يسكننا قبل أن نسكنه، بجداره الذي يئن مع كل هبة ريح كأنه يحتضر ويطلب منا الرحيل، وسقفه الذي يقطر هما وذلا قبل أن يقطر مطرا.. فلا مكان لنا فيه بعد اليوم. لا مكان لنا في حضن من طين يريد أن يسقط فوق رؤوس أطفالنا
تنفست بعمق كأني أخرج من صدري كل غبار السنين العجاف، وأكملت
:فالحياة هنا.. لا حياة هنا.. هنا الموت واقف على عتبة الباب كضيف ثقيل لا يدخل فيريحنا ولا يغادر فيتركنا نتنفس، هنا الأيام تشبه بعضها كأنها نسخة واحدة من الجوع والقهر مكررة حتى الملل.. لا عمل يقيم صلب رجل ويحفظ ماء وجهه، ولا أمل يضيء عين طفل فيكبر على شيء غير الخوف، ولا حتى كفن نظيف يليق بميت إذا متنا..لقد غادرها جدي في شبابها لانها كذلك..ونحن سنرحل إلى المدينة.. المهم أن نرحل عن هنا. المهم أن نهرب من هذا الموت البطيء الذي يمضغنا كل فجر على مهل ولا يكرمنا ببلعة واحدة تنهي العذاب.
وبصوت مبحوح كأني أشيع نفسي:
:أنا أحب القرية.. بل وأعشقها حتى النخاع.. أعشق رائحة التراب المبلول بعد أول مطرة كأنها عطر الجنة الذي حرمنا منه..أعشق ظل السدرة العجوز التي تظلل مقبرة أجدادنا، وأعشق حتى كلابها الضالة التي تنبح في الليل كأنها تحرس أحلامنا المهشمة من لصوص اليأس.. لكن الحياة فيها.. مستحيلة.. مستحيلة يا بنت الناس. فالحب وحده لا يطعم خبزا يابسا لابنك الذي اعلم الان بانه يبكي من الجوع، والعشق وحده لا يسد دينا يصرخ في وجهنا كل صباح، والحنين وحده لا يصلح سقفا مائلا يريد أن يهوي على رؤوسنا ونحن نيام.. من أحب شيئا بصدق.. عليه أحيانا أن يتركه لينجو منه، قبل أن يدفنه معه.
وكان الصمت بعد كلامي أثقل من كل الحروب...كيف نرحل والرحيل يتطلب مالا..كان أملي معلقا بالحصول على تلك الحقوق التي طال متابعتها لستة اشهر بدون جدوى!
للبقية تتمة...