"سطوة العرف"حين ينام القانون وتستيقظ القبيلة في اليمن
مقال
تظل الجغرافيا اليمنية عصيةً على كافة القوالب السياسية الحديثة؛ إذ تبدو وكأنها كيانٌ حيٌّ يرفض الانصياع التام لنصوص الدساتير الجامدة أو الرضوخ لجدران المحاكم الموصدة، وفي ظل الصراعات المحتدمة التي تعصف بالبلاد وتصادم المشاريع السياسية المتضادة، تبرز حقيقةٌ عاريةٌ لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها، ومفادها أن القبيلة هي السلطة الموازية الحقيقية والأصلُ الأصيل الذي تذوب أمامه كافة الأختام الرسمية للدولة، فالهوية اليمنية في جوهرها ليست مجرد انتماء لكيان سياسي بقدر ما هي ارتباط وثيق بجذور اجتماعية ضاربة في أعماق التاريخ.
الدستور الفطري
إن المشهد الاجتماعي في اليمن لا يمثل مجرد تجمع بشري عابر، بل هو منظومة حكم متكاملة الأركان، تمتلك أدواتها الخاصة ورمزياتها العميقة التي تفوق في تأثيرها النفسي والميداني قوة القانون الوضعي وسلطة الدولة المركزية، ومن هذا المنطلق، فإنه عندما تشتعل الأزمات وتبلغ التوترات ذروتها، نجد أن الجماهير لا تيمم وجوهها شطر أروقة القضاء المنهكة، بل تترقب بلهفةٍ نداء "الداعي" وتتحشد في "المطارح"، حيث تُحل أعقد القضايا عبر آليات التحكيم القبلي التي تعتمد على الثقة المتبادلة والالتزام الأدبي الصارم.
رموز قبلية
في هذا السياق الأنثروبولوجي الفريد، تتجلى رمزية "الشال ، الجنبية ، العسيب ، أو حتى_في بعض الأحيان_ القربان البشري " كأقوى أداوات دبلوماسية عرفها المجتمع اليمني؛ فهذه الرموز ليست مجرد زينة يتجمل بها الرجل ، بل هي ميثاق غليظ إذا ما أُلقيت في محفل قبلي كانت كفيلة بحقن دماءٍ غزيرة كادت أن تُسفك، وإيقاف الثارات التي عجزت عن ايقافها قوة القانون وحضور الدولة، وتغيير مسار قضايا مصيرية بلمحة بصر، ذلك أن هيبة الرمز هنا تتجاوز المنطق القانوني الجاف لتخاطب وجدان الجماعة وقيم "الوجه" والالتزام الأخلاقي، مما يجعل العرف سلطة أخلاقية وسلوكية نافذة لا ترد.
شفرة الحكم
بناءً على ذلك، أثبتت التجارب التاريخية المتعاقبة أن بسط النفوذ الحقيقي في اليمن لا يتأتى عبر الشعارات الأيديولوجية الرنانة أو النظم المستوردة ، بل يتم حصراً عبر فك "الشفرة القبلية" المعقدة وفهم سيكولوجية الإنسان اليمني المرتبط بترابه، ولقد أدرك الساسة والحكام الذين استطاعوا الصمود في وجه العواصف السياسية العاتية خلال القرن الأخير حقيقةً ثابتة، وهي أن الطريق إلى صنعاء لا يمر عبر صناديق الاقتراع فحسب، بل يمر بالضرورة عبر كسب ولاء القبائل واستيعاب توازنات القوى القائمة على الأرض.
غياب المؤسسات
علاوة على ما سبق، يظهر جلياً أنه في اللحظات الحاسمة يجد المواطن اليمني نفسه محكوماً بـ "العرف" لا بـ "المادة القانونية"، حيث يظل صوت "المحكّم" القبلي أقوى وقعاً وأكثر قبولاً من مطرقة القاضي في المحكمة، نظراً لقدرة هذه الأعراف على تقديم حلول ناجعة وسريعة تحتوي الأزمات بمرونة تفتقر إليها الأجهزة الأمنية التقليدية، وهكذا تظل "المطارح" القبلية ثابتة كصمام أمان يحفظ النسيج الاجتماعي من الانهيار الشامل عند غياب الدولة، مما يجعل القبيلة هي الحصن الأخير الذي يلجأ إليه الجميع حينما تعصف الرياح بالهياكل الإدارية الرسمية.
سيادة العرف
إن ما يشهده الواقع اليمني المعاصر يعيد التذكير بأن "الدولة" بمفهومها الحديث لا تزال تعيش حالةً من الصراع الوجودي أو التعايش القلق مع "القبيلة"، فالأرض اليمنية لا تنحني للأوامر الإدارية الفوقية بقدر ما تنصاع لـ "الزوامل" التي تحمل رسائل القوة والصلح، ولصوت الحكمة المتوارث عبر الأجيال، ومن هنا تصبح الرسالة الجوهرية واضحة للعيان؛ وهي أن أي محاولة لبناء مشروع سياسي أو وطني بمعزل عن الفهم الدقيق للبنية القبلية ستكون بمثابة "حرث في البحر"، فبينما ينام القانون طويلاً خلف الستائر البيروقراطية، يظل "العرف" مستيقظاً يدير شؤون الحياة، ويحمي الوجود، ويضع القواعد النهائية لمن بيده سلطة الأمر والنهي.