الخميس 30 أبريل 2026
  • الرئيسية
  • العلمانية بين وهم القطيعة وضرورة الدولة المدنية

العلمانية بين وهم القطيعة وضرورة الدولة المدنية

ليس من الحكمة أن نضع العلمانية كنظرية سياسية/ثقافية بموازاة الدين، أو أن نطرحها بديلا أيديولوجيا للمعتقد الإيماني؛ إذ شتان بين المجالين، لا لأن موضوع كل منهما مختلف تماما فحسب، بل لأن هذا القياس في ذاته يبدو غير ممكن، ويعد شططا نظريا لا جدوى منه.


فالدين منظومة عقدية وقيمية وأخلاقية تتصل بالإيمان والوجدان والمرجعية العليا، بينما العلمانية – في أحد وجوهها – ليست بالضرورة نقيضا للدين، وإنما قد تكون إطارا تنظيميا لإدارة الشأن العام، وضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع، بما يحقق العدالة والمواطنة المتساوية، ويمنع احتكار الحقيقة أو التفويض الإلهي في الصراع على الحكم.
أما معظم الجماعات الدينية المتطرفة، فالمعروف تاريخيا أنها جماعات وظيفية/ثأرية، لا تتصالح إلا مع نفسها، خاصة في مراحل المواجهة مع الآخر، سواء كان دينيا أو مذهبيا أو فكريا. بل إن انتفاء الخصم الخارجي في مرحلة ما، يجعل قابلية التشظي والصدام الداخلي بين أجنحتها هي السائدة، لأنها – بطبيعتها – لا تعيش إلا في مناخ صدامي قائم على نفي الآخر، ولا تعرف ثقافة التعايش مع المختلف فكرا وثقافة، الأمر الذي يجعل انسجامها مع أي نموذج مدني حديث، أو مع الثقافة العلمانية، أمرا بالغ الصعوبة.
ولو عدنا إلى صحيفة المدينة التي خطها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لوجدنا فيها نفسا إنسانيا وصيغة اجتماعية متقدمة، إذ وحدت مجتمع المدينة على أساس المواطنة والعيش المشترك، لا على أساس الإقصاء أو الامتياز العقدي المجرد. ومن هنا يصبح لزاما علينا إعادة النظر في مفهوم الدولة، وعقلنة تصوراتنا الحدية تجاه النظريات السياسية القابلة للتطبيق، وتكييف علاقتنا بأي نموذج حكم وفقا للمصلحة العامة لا للشعارات المجردة.
غير أن التنظير التبريري كثيرا ما ينسحب إلى استحضار نظرية المؤامرة، هروبا من مواجهة العلل البنيوية الكامنة في الداخل، وهو ما أشار إليه المفكر الجزائري مالك بن نبي حين قال: ليس العيب في الظاهرة الاستعمارية بقدر ما هو في القابليات الكامنة في العقلية العربية، والمعشعشة في الثقافة السياسية العربية. وهذه القابليات تنسحب أيضا على مدى استساغتنا للعلمانية كمفهوم: هل أصبحت ضرورة سياسية ملحة تفرضها الحاجة إلى بناء دولة عادلة؟ أم أنها مجرد تقليعة وافدة يفرضها منطق الواقع الدولي المعاش؟
لقد تناولت النخب السياسية والثقافية العربية مفهوم العلمانية على نحو من التباين، بل أحيانا التضاد، وهو ما انعكس على وعي الشارع العربي بهذا المصطلح، الذي رأى فيه كثيرون مفهوما وافدا ومريبا.
فثمة من قدمها في إطار أيديولوجي بوصفها بديلا عن الدين، وهو ما قاد إلى الرفض والصدام، انطلاقا من مقولة: "لسنا كنيسة، وبالتالي لسنا بحاجة إلى العلمانية"، وفقا لأطروحة محمد عابد الجابري.
وثمة من نظر إليها باعتبارها مجرد آلية للحكم ونظرية قابلة للتبيئة والاستيعاب، بما يجعلها أداة لتنظيم المجال السياسي لا خصما للعقيدة، وهو اتجاه يرى أن انتشار الثقافات وتلاقحها أمر حتمي، وأنها جزء من المشترك الإنساني الذي لا تعيقه الحدود ولا الحواجز الأيديولوجية، وكشرط من شروط الولوج إلى العصر والعولمة، كما في بعض أطروحات حسين مروة ومن على شاكلته.
وهناك اتجاه ثالث سلك مسلك التوافقية، فرأى الأخذ بإيجابيات العلمانية بما ينسجم مع ثقافتنا، وترك ما لا يناسبنا، وهو ما نجده عند عبد الوهاب المسيري ومن سار في هذا الاتجاه.
وعليه، فإن من يدعو إلى العلمانية كتجربة ونموذج للحكم، لا يتغيا – بالضرورة – أو يقصد عمدا فصل الدين عن الدولة على الطريقة الغربية/الكنسية، وإنما يسعى إلى إقامة دولة مدنية حديثة، تحقق العدل، وتصون المواطنة المتساوية، وتمنع تأبيد الصراع على السلطة بين الجماعات الدينية ذات الثقافة الثأرية الاصطراعية، تلك التي تدعي وصلا بالسماء أو تفويضا إلهيا للحكم.
مع الاحتفاظ – في الوقت نفسه – بالجانب الإيجابي من ثقافتنا السياسية وخصوصياتنا الاجتماعية، والعمل على تطويره، دون انسلاخ كامل عن الذات، أو قطيعة جذرية مع الموروث.