نصنع القاتل و نصفق له
من يقتل، أو يشارك في القتل، لا يفقد إنسانيته دفعة واحدة، يتخلى عنها تدريجيًا، تحت ضغط فكرة، أو سلطة، أو خوف. لكن السؤال الأكثر إيلامًا ليس عن القاتل وحده، إنما عن المجتمع الذي يراه، ويعرفه، ثم يصفق له.
في تاريخنا السياسي، شمالًا وجنوبًا، لا تبدو الجرائم مجرد لحظات عابرة، إنها حلقات متكررة في سياق طويل من العنف الذي جرى تبريره، وأحيانًا تمجيده. لم يكن القتل دائمًا فعلًا مدانًا، لكنه قُدّم في كثير من الأحيان كضرورة وطنية، أو كخيار لا بد منه لحماية الثورة، أو تصحيح المسار، أو القضاء على “العدو”.
هنا تحديدًا تبدأ المعضلة: كيف يتحول الفعل المدان أخلاقيًا إلى سلوك مقبول سياسيًا؟
وكيف يُعاد تشكيل وعي الناس بحيث يرون في القاتل بطلًا، لا مجرمًا؟
الجواب لا يكمن في تفوق القتلة ذكاءً، ولا في قصور فطري لدى الناس، بل في بنية كاملة تُنتج هذا الوعي. حين تحتكر السلطة الرواية، وتُقصي كل صوت مخالف، وتعيد تعريف المفاهيم — فيصبح الخصم خائنًا، والمعارض خطرًا، والضحية تهديدًا — فإن الطريق يصبح ممهّدًا لتبرير كل شيء، بما في ذلك القتل.
في مثل هذه البيئات، لا يُطلب من الناس أن يؤمنوا بالحقيقة، بل أن ينسجموا مع السائد. الخوف يؤدي دوره، لكنه ليس العامل الوحيد. هناك أيضًا الرغبة في الانتماء، والخشية من العزلة، وأحيانًا الأمل في أن يكون هذا العنف هو الثمن الأخير قبل الاستقرار. وهكذا، يجد كثيرون أنفسهم جزءًا من مشهد لم يختاروه بالكامل، لكنهم ساهموا في استمراره بالصمت أو التبرير أو حتى التصفيق.
الأخطر من ذلك، أن هذا النمط لا ينتهي بسقوط نظام أو تغير مرحلة و لكنه يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، وبوجوه جديدة، وباللغة ذاتها تقريبًا. تتغير الشعارات، لكن المنطق يبقى: تبرير العنف باسم قضية أكبر، وإضفاء الشرعية على القتل تحت عناوين متعددة.
من هنا، فإنه لا بد من مراجعة هذا التاريخ و لا يجب أن تقتصر الإدانه للفاعلين و بالضرورة أن يتم تفكيك الآليات التي جعلت ذلك ممكنًا.مجتمعاتنا خدعت بالقوة و بالرواية و استدرجت إلى التصفيق لأنها فقدت قدرتها على السؤال.
لم يكن القتلة اكثر ذكاء منا و علينا أن نتعلم أكثر حتى لا نكرر التصفيق مراراً.
