حروب وأسفار
ترى... هل بات علينا كعرب أن نحمل أسفارًا على أكتافنا ونحن نسير مطأطئي الرؤوس، بعد ما دارت على رأس أم قشعم العربية الدوائر، وأصبحت بلاد العرب أوطاني تعاني من أسوأ حالات السداح مداح التي وُصفت بها سياسة التحول من اقتصاد التنمية المستقلة إلى اقتصاد السوق الانفتاحي المفتوح؟ لنجد نهاية مطاف رحلة التحول للسوق الحر المفتوح، فتتوه رحلتنا التنموية الفاشلة، ليختفي عبر تناقضاتها الأساسية والثانوية ما قاد بالضرورة لإضعاف، بل وفقدان، مفاهيم الدولة، الكيان الوطني، والتنمية الاقتصادية القائمة على الاستغلال الكفوء والأمثل للموارد الطبيعية والبشرية، والاستفادة من كفاءة الموقع الاستراتيجي لكامل الأراضي العربية.
تلك كلها عناوين ضاعت، وانتهى بنا الحال إلى مجرد قوى هامشية تابعة، اعتلى قمتها المفهوم الريعي بمعناه الشامل، حيث شكّل النفط والغاز المداران عبر ديالكتيك هيمنة رأسمالية تهيمن وتسيطر، وتخلق على الأرض بيئات تتنافر بعضها بعضًا. باتت التبعية شعارًا، وباتت الدولة الوطنية المستقلة، المعتمدة على تنمية مواردها ضمن رؤية تكاملية، مجرد شعار ليس له مكان، بل يشكّل عقبة أمام الارتباط مع قوى السوق الدولية الاحتكارية التي تدير وتُهيمن على مفاتيح الاقتصاد العالمي وأسواقه ووسائط إدارته وتشغيله، تحت هيمنة رأسمالية لها معاييرها ومصالحها الخاصة.
وحاليًا نجد منطقتنا العربية بوضع لا تُحسد عليه، وهي تتخبط في أتون الحرب الضروس التي يشنها الثنائي الصهيوني ترامب ونتنياهو، وكلاهما يتسابق كي يضرم نيران حروب التوسع والسيطرة وفرض تعاليم أسفار يهوذا تحت غطاء ديني لكودٍ مدمر، لكن الجوهر منصب نحو الانتصار النهائي لعودة دولة المسيح الدجال تحت قيادة البابا ترامب، ولو على جثة بابا الفاتيكان، الذي بشّره البابا ترامب بشرّ فضائح الكنيسة، أي كنيسة روما. تمامًا كما يمتلك نتنياهو وزمرة إبستين الصهيونية معه ملفات العار التي يمكن، حال نشرها، تحويل ترامب إلى جثة هامدة؛ وهكذا بات مطيعًا ينفذ أسفار نتنياهو الجديدة المستمدة من أسفار اليمين الصهيوني الأكثر تطرفًا تحت قيادة بن سموتريتش وبن غفير.
فمن سيُعدِمون أو سيُحقِّرون عشرة آلاف فلسطيني، ليس لديهم أي مانع من إحراق العالم عبر مضيق هرمز. هكذا يديرون أسفارهم التي تحرق العالم لينتصر يهوذا بن غفير، وعبر ما يثيرونه من غبار النووي الإيراني من أقاويل وترهات، بينما مخزوناتهم النووية في النقب يلفها الصمت، ولا ما لديهم من دمار لمن يقف معارضًا لهم، وفي المقدمة العرب. لأن البابا المتجدد تحت قلنسوة داوود سيعيد بناء الهيكل تمهيدًا لعودة المسيح الدجال ليقيم العدل بعيدًا عن إنهاء إيران والقضاء عليها، لأنها مصدر الخطر لامتلاكها عنصر المعرفة سبيلًا لسلاح نووي.
أما حال العرب جميعًا، فقد باتوا قاب قوسين أو أدنى للتبعثر كحبات سبحة تتناثر لا رابط بينها، فغياب عقل جامع بينهم تتوافق عليه الإرادات المستقلة حقًا، للبحث عن بديل للتشتت والشرذمة التي نعيشها، كمحاولة جادة لمغادرة ساحة المهاترات والتباعد، وصولًا لرؤية يتم من خلالها مشروع توافق عربي يواجه مخاطر ما يُحاك ضد البلاد العربية جميعًا وفرادى، يتضمنها جوهر الحرب الدائرة على إيران التي تشنها أمريكا وإسرائيل تحقيقًا لخلق إسرائيل الكبرى، وروح الإبراهيمية التي يبشرون بها.
في حال تسود علاقات عبثية بين الدول العربية خلال مرحلة لعلها من أسوأ الحالات، سينفذ منه المشروع الإبراهيمي بسهولة ويسر. وحتى يتم كبح أمر كهذا، هل نأمل استيعاب العرب لحقيقة هذه الحرب وأهدافها الآنية والمستقبلية؟ علينا أن نسأل بوعي: هل ستكون نتيجة الحرب على إيران وبالًا على العرب، لنصبح وفق مزامير داوود كمثل من يحمل أسفارًا؟ ونسأل أكثر مسؤولية: لماذا يجعل العرب من أنفسهم، من خلال مخرجات الحرب الصهيونية الكونية على إيران، معبرًا ووقودًا يدفعون ثمنه صراعات وخلافات، من خلال تسعير نيران الخلافات البينية تجاه هذه الحرب وأهدافها المعلنة وما بطن منها؟
وهي حرب جوهرها صهيوني، الهدف والغاية منها أساسًا تدمير إيران، وإن حدث ذلك، لا سمح الله، فأكبر الخاسرين العرب جميعًا. لأن للحرب هدفًا أساسًا يتمثل بضرورة إلغاء أي وجود لأي قوة تمتلك قاعدة علمية معرفية راسخة، تنافس لتكون ضمن قوى النادي النووي، يمكنها أن تصبح خطرًا حقيقيًا على من يمتلك عناصر القوة ويفرض شروطه. وهنا مكمن الخطر الذي تخشاه الصهيونية الكونية عبر كيانها المقدس، دولة الكيان التي تقدم نفسها باعتبارها حارسة الحضارة الغربية من تغول الهمجية الإيرانية، كما قال وصرّح بذلك نتنياهو.
هكذا نرى هذه الحرب التي يشنها البابا الكاذب ترامب، وهو يخاطب مستهزئًا ببابا روما، حيث يقول: لا فض فاه، كان اليسوع يرغب بالسلام كما أرغب أنا. هكذا يتقمص ترامب مسوح المسيح، وهو يشن هذه الحرب المدمرة سعيًا وراء السيطرة على:
منافذ ومضايق التجارة الدولية، كي تُربك وتخنق سلاسل الإمداد ومكونات الاقتصاد العالمي، بدءًا بالعدو الأخطر، أي الصين، ومن ثم لا بد من محاصرته عبر محاصرة وضرب إيران.
إحكام السيطرة على مصادر ومنابع الطاقة، نفطًا وغازًا، حيث كانت فنزويلا البداية، وضمن نهج توسعي لا بد من اكتمال هلاله بالسيطرة على منابع النفط بإيران والخليج وما تيسر على الطريق.
استمرار الضرب على مفهوم ريادة رأسمالية السوق وجوهرها، عبقرية الصفقات بين المتواجهين بمملكة يهوذا التوسعية التي بناها وشيدها البابا ترامب وتابعه اللئيم داوود المزيف، وفق مزامير أسفار نتنياهو المتوج ملكًا لا يُبارى على الشرق الأوسع الجديد.
وسؤالنا الأهم: هل يعي العرب جميعًا خطورة الحرب التي تُشن على إيران وزيف ما يُطرح حولها من تأويلات تلمودية؟ هزيمة إيران ستشكل خطرًا أكبر بكثير مما كان منذ مؤتمر بازل الصهيوني ومؤامرة سايكس-بيكو ومخرجاتها التي ما نزال ندفع ثمنها حتى الآن. لكننا نقول إن ما هو آتٍ أخطر بكثير؛ فالآتي سيعيد تفكيك سؤال العرب التاريخي: نكون أو لا نكون.
وحتى نظل تحت عنوان "نكون"، ينبغي أن نكون عنوانًا رئيسًا في منطقة نحن جزء أساس فيها. إن تمت عملية تآمرة جديدة لإعادة رسم خرائط الجيوسياسي للمنطقة، فالأمر يتطلب تغلب العرب على خلافاتهم البينية، والبناء على قواعد قوتهم، وتغليب مصالح أجيالهم عبر فهم وإدراك أين تكمن مصالحهم أولًا، وثانيًا فهم أسباب خلافاتهم والتوافق على حلول لها.
ووفق مفهوم تغليب المصالح العليا المشتركة دون تحيزات واصطفافات تؤسس لخلافات تمكن الآخر من التسلل والنفاذ، سواء كان الآخر إيران أو أمريكا أو إسرائيل، المستفيد الأوحد مما يعصف بالأمن القومي العربي من تحديات، كما لاحظنا حين تفتت أغلب الكيانات العربية، أو كما نلاحظه حاليًا من مشاريع الخطوط الصفراء التي تسعى إسرائيل من خلالها لإعادة تفصيل ما تبقى من سيادة للدول العربية.
إن انعقاد مجلس جامعة الدول العربية بالسعودية الشقيقة خلال الفترة القادمة يمثل آخر فرصة تاريخية للعرب لتدارك ما يمكن تداركه. فهل يفعلون؟ الأمر فيه تحدٍ وجودي، وتحديات الوجود تتطلب أسلحة ووعيًا يستوعب أخطارًا لن تنتظر أحدًا إن فكر خارج منطق التاريخ وضمانات المستقبل.
المستقبل لا ينتظر أحدًا، فعجلات تحركه لا تنتظر أحدًا، ولا عزاء لمن بجانب الضريح ينتحب.