ميزان السلام اليمني: حقك في أمنك ينتهي حيث تبدأ سيادتي
منذ أيام، كتبتُ عن صعوبة تحقيق السلام في اليمن، باعتباره أصبح ملفاً للعديد من المصالح المتشابكة الإقليمية والدولية والمحلية. وهنا أضع بين يدي القارئ الميزان الذي أراه عادلاً للحكم على هذا التشابك.
وبدايةً، أقرر أن المبدأ الذي يتفق والمنطق الإنساني السوي يقتضي وجوب أن نعترف بحق الآخر في أن يؤمّن مصالحه المشروعة بالطرق المشروعة، وأن ننكر عليه الزعم بحقه في أن يفرض مطامعه على حساب سيادة وأمن وحقوق الآخرين.
وفي الشأن اليمني، فالقاعدة مع عناصر الموضوع أن كل مصلحة مشروعة تنتهي عند حدود سيادة وأمن اليمن واستقلاله، وما بعدها يصبح مطمعاً. والفرق بين المصلحة والمطامع في موضوعنا هذا أن المصلحة تعني حق الدولة في تأمين حدودها وتجارتها وسلامة أراضيها، في حين أن المطامع تعني رغبة الدولة في التوسع والهيمنة، والتحكم بمقدرات غيرها. وأن صاحب ذلك شيء من البذل والعطاء، فالعرفان به من شيم الكرام، دون التنازل عن شيء من أمن واستقلال الوطن وسيادته.
والذي أراه أن في اليمن اختلط الحابل بالنابل، وكثر الباعة والشركاء، والعابثون والطامعون، وصارت المطامع تُقدَّم على أنها مصالح، أو تختبئ خلف جدران ناعمة ورحيمة كالهبات والمساعدات الإنسانية وغيرها.
ومن جانب آخر، في المسألة اليمنية ذاتها، يبرز السؤال القديم الجديد المستمر، وهو: هل مصلحة دول الإقليم خاصة، ودول العالم عامة، تقتضي أن يظل اليمن في حالته المأساوية الراهنة؟ أم في وجود يمن آمن مستقر في ظل دولة نظام وقانون؟
ليس من الحكمة، برأيي، ولا من السهل، حصر بيان المسألة في نطاق حدي الإجابة على هذا السؤال، بعيداً عن بيان وتفكيك مصالح ومطامع أهم الدول الإقليمية والدولية في اليمن (السعودية، والإمارات، وأمريكا، وبريطانيا، وإسرائيل، وإيران)، ومصالح أهم القوى الفاعلة الداخلية أيضاً، من غير الحكومة المعترف بها دولياً (الحوثي، والمجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات المقاومة الوطنية، والتجمع اليمني للإصلاح، وألوية العمالقة الجنوبية). ومعرفة أدوات كل دولة، وكل فصيل محلي، وقوتها في تحقيق تلك المصالح والمطامع، خاصةً مع موقع اليمن الفريد، وما تكنزه أرضه البكر وبحاره من ثروات ومعادن هائلة، هو التحدي الذي أغرى المطامع للتهافت عليها. كما أن الدولة الهشة والانقسام الداخلي هما من فرش للأطماع السجاد الأحمر، وحوّلَا من "يمن سعيد" إلى "ملف ساخن".
ولا يكتمل الميزان، ويستقيم، برأيي، إلا بالاعتراف أن للقوى المحلية أيضاً مصالح مشروعة ينبغي تحقيقها، ولكل واحدة منها مطامع يجب أن تتوقف من أجل اليمن، الذي هو أكبر من كل المكونات.
وعلى ذلك، فمن حق أي مكون يمني مشروع، وفق الدستور والقوانين النافذة، حزبياً كان أم مناطقياً أم مذهبياً، أن يأمن على نفسه، وأن يشارك في سلطة بلاده، وأن ينال نصيبه العادل من ثروتها. هذه مصالح مشروعة؛ أما المطمع المرفوض فهو أن يريد طرف احتكار السلاح، أو فرض لونه على الناس جميعاً، أو أن يرهن قراره لخارج يقاتل به أخاه في الداخل، فلا يخدم الوطن في شيء. فحقك في الشراكة كيمني، ولاؤك لله ثم للوطن، ينتهي حيث تبدأ شراكة أخيك اليمني.
الجدير أن السعودية والإمارات وأمريكا وبريطانيا، رغم أدوارها في إعاقة السلام، فإنها تبقى مرتبطة باليمن عبر قنوات مساعدات واستيعاب لعمالة يمنية – وإن كانت الإمارات حالياً منافعها أقل وضررها أبلغ – تُعيل ملايين الأسر. أما إيران وإسرائيل، فلم يُسجَّل لأي منهما أي دور إغاثي أو اقتصادي، أو أي منفعة أو خير يُذكر لليمن؛ فلا تقبلان استيعاب العمالة اليمنية، ولم تفتح أي منهما أسواقها لليمنيين أو لمنتجات اليمن، وظل أثرهما مقتصراً على عدوان سافر من الكيان الغاصب، وعلى تغذية الصراع وزعزعة الاستقرار منهما معاً.
وأخيراً، فهذا مجرد رأي لمواطن يمني يبحث عن ميزان عدل يستقيم به حال وطنه، ولا أدّعي أن هذا الرأي قد جاء بالحقيقة كلها، لكنني أؤكد أن أغلبية الشارع اليمني تتوق إلى السلام، وتتفق مع جوهر فكرة المقالة.
والسؤال الذي يبقى معلقاً هو: متى يدرك كل طرف أن مصلحته الحقيقية لا تتحقق إلا بيمن آمن مستقر، لا بيمن قلق ممزق؟