حين تصير الأشياء ذهبًا
يا إرم ذات العماد، يا حضرموت التي ما رأيتم مثلها في البلاد،
دعوني أدعوكم لزيارتها لتعيدوا رتق ما تقادم من عمر قضيتموه مع بقية أحلام تودون اكتمال معاني جمالها. لن يكتمل ذلك إن لم يسعدكم الحظ بزيارة حضرموت.
ها أنا أستضيفكم نيابة عن أخي وعزيزي محمد عمر بحاح، وروحه الأروع ابن عمه ناصر بحاح، لتعيشوا روح حضرموت، تتنقلون بين أوردة حياتها ومكوناتها وجغرافيتها وعبقرية أهلها، التي ستجدونها حيّة ماثلة بروحها المتلألئة، كما صورها مبدعنا العزيز محمد بحاح ببساطة عبقرية المكان والإنسان في حضرموت الداخل والساحل.
حضرموت أحلام الهجرة التي طالت مشارق الأرض ومغاربها، لكن تجليات روح الهجرة الداخلية كانت تعكس مفهومًا لدى من يحب مواجهة مصاعب الحياة. كان الشعار الجميل عنوان الصبر والمتاعب:
"وما لذة العيش إلا بالتنقل".
ويا حضرموت، افرحي؛ فيك رجال قهروا المستحيل منذ أمد بعيد. وحتى تقفون على فحوى ما أقول، أحيلكم إلى عناوين "أشيايي": الرحلة، الكتاب، الحكايات، التي أوغل بنا الكاتب في سردها روايات وقصصًا، قاصًّا متمكنًا صادقًا، يعيد رتق تفاصيل دقيقة عاشها طفلًا يافعًا، ضمن سرد لتاريخ أسرته كجزء لا ينفصل عن تاريخ حضرموت، مرورًا بمراحل العمر التي اختتمها صحفيًا بدار صحيفة "14 أكتوبر"، أحد أبرز عناوين رحلة التاريخ لبلادنا، التي مر بها عزيزنا محمد بحاح ضمن ملحمة "أشيايي".

سأعيد هنا ما قلته عن "أشيائي" للكاتب العزيز محمد بحاح، فقد قلت عند الأمسية التي دشّنا بها إصدار "أشيايي"، الصادرة عن دار أروقة بالقاهرة عام 2024:
أتذكر أنني قلت:
لا تتشابه الأشياء ولا الأسماء. ما سأتناوله معكم الليلة إنما هو حفر في ثنايا زمن جواهره من نوع نادر أصيل، أسماء من صنعوه ومن أثروه، من أنقى جواهره التي كانت تاجًا على عرش الزمان والمكان.
أحكي هنا عن أشياء من نوادر الزمن الجميل، أحكي عن أسماء منحوتة بماء الذهب على محيا زمن له ما له وعليه ما عليه.
أكتب عن رائعة الأخ الصديق العزيز وإصداره الأروع الحامل عنوان "أشيايي"، وقام بالتقديم له الحرف اللامع، المعنى، الصوت النافذ إلى العقل قبل السمع، الإذاعي الشاعر الأجمل ناصر بحاح، والعبد لله، محدثكم علي عبد الكريم، عُهد إليه بالتعليق على محتوى ومضمون الإصدار الرائع "أشيايي"، بالمركز الثقافي اليمني بالقاهرة، الكائن بنيل الجيزة.
كانت ليلة ثقافية عامرة، شاركنا فيها العديد من الوجوه الثقافية والسياسية، لا يتسع الحيز لذكرهم. أما مكان إقامة الفعالية، المركز الثقافي اليمني، فقد كان مكانًا محببًا إلى وجداني لارتباطه بأيام دراستنا الثانوية والجامعية بالقاهرة، بمصر العزيزة علينا جميعًا. وخلال تلك الأيام الخوالي كان المركز مقرًا لرابطة الطلبة اليمنيين جميعًا.
أجمل ما في "أشيايي" تمكن الكاتب من الإلمام بالتفاصيل الدقيقة، وإن صغرت، لكنها تعكس مدى إلمام الكاتب بروح ومعنى التفاصيل التي أصر على إبرازها في عمله البديع، بما يعكس قدرته التصويرية الفنية والنفسية لمعاني اللحظة والحدث وجوهر ونقاء الروح التي صنعت الحدث، سواء كان حدثًا يرتبط بأمور الحياة اليومية وتفاصيلها الدقيقة داخل مكونها الأسري والمجتمعي، دونما تطفل أو افتعال، ببساطة كاتب يدرك قيمة البساطة التي لا افتعال أو مبالغة فيها.
سواء بمتاعب الحياة اليومية خلال مراحل التكوين داخل وخارج الروابط الأسرية الحميمة، أو خلال رحلات السفر والارتحال ومتاعبها وصعوباتها، أو ارتبطت بمراحل مساق المعرفة والتعلم والتعليم، أو تعلق الأمر بلحظة التعامل البريء مع معالم مدينة يتم الانتقال إليها.
عدن كانت جنة عدن، التي يندهش حين يراها كل قادم إليها من مختلف المناطق، سواء من حضرموت أو سواها. لحظة الدهشة أجاد تصويرها كما عاشها. هنا يطيب لي القول:
"أشيايي" نادرة من جواهر حضرموت، صاغها كاتب متمكن تمامًا كما يتمكن صاغة حضرموت من صياغة حُليّ الجواهر والذهب، وهم فيها بارعون براعتهم في مجالات الحياة المختلفة.
"أشيايي" عمل يستحق القراءة. أكثر ما أسعدتني لحظات "أشيايي" وعناوينها الكثيرة التي وجدتها قريبة إلى نفسي وأنا أتابع السرد البديع للحياة التي عاشها منذ وطأت أقدامه مدينة عدن، وانتقاله للسكن بالحي الذي أحمل له جميل ذكريات طفولتي: حافة الشريف، والحافة أو الحي الذي له فضل تكوّني: حافة القاضي، أشهر حارات مدينة عدن الجميلة ثقافة وسياسة.
ودومًا تبقى الكلمات الصادقة تاريخًا وذكرى وأثرًا يعتز بها الإنسان. وهنا أجاد الكاتب سرد تفاصيل حياة لا تُقدّر بثمن، ولا تكتمل متعتها إلا بقراءة "أشيايي"، وهو ما أدركته عن عمق وأنا أتابع، بحذر وشغف، عناوينه التي لا تزال عالقة بالذهن، تمامًا كما هي راسخة علاقات المودة والأخوة بالأخوين العزيزين محمد وناصر بحاح.