غياب المثقف في حضرة السلطة
ليس من قبيل الصدفة أن يغيب اسم المثقف عن بيانات التعزية الرسمية، ولا أن تمر وفاة كاتب أو مفكر مرورًا عابرًا، بينما تتزاحم بيانات النعي حين يتعلق الأمر بشخصيات سياسية أو نافذين في دوائر السلطة. هذه الظاهرة لا تعكس خللًا بروتوكوليًا فحسب، بل تكشف عن أزمة أعمق في بنية الدولة ومعاييرها.
في الدول التي ترسخت فيها فكرة المؤسسة، يُنظر إلى المثقف بوصفه أحد أعمدة القوة الناعمة، وعنصرًا أساسيًا في تشكيل الوعي العام. لذلك لا يكون تكريمه—حيًا أو ميتًا—مجاملة، بل اعترافًا بدوره في بناء الهوية الوطنية. أما في الدول الهشة، أو تلك التي أعادت إنتاج نفسها عبر شبكات الولاء، فإن العلاقة بالمثقف تبقى ملتبسة: يُحتفى به إذا اقترب، ويُتجاهل إذا ظل مستقلًا.
في اليمن، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحًا. فالدولة، منذ عقود، لم تُبنَ على أساس تراكمي مؤسسي، بل على توازنات سياسية وقبلية وعسكرية. في مثل هذا السياق، يصبح معيار القرب من مركز القرار أهم من معيار الأثر في المجتمع. وهنا يُفهم لماذا تُقدَّم التعازي للمقرّبين، بينما يغيب ذكر من أسهموا في تشكيل الوعي أو الدفاع عن قيم المجتمع.
لا يقتصر الأمر على المثقفين. ثمة مفارقة أكثر قسوة تتعلق بمن قدّموا أرواحهم في لحظات مفصلية من تاريخ البلاد. كثير من هؤلاء انطلقوا بدافع وطني صادق، مؤمنين أنهم يمهدون الطريق لدولة عادلة. لكن غياب المشروع السياسي الناضج، وتغوّل الصراع على السلطة، جعلا من تلك التضحيات مادة تُستثمر لاحقًا في صراعات النفوذ، لا في بناء الدولة.
المشكلة، إذًا، ليست في غياب التعزية بحد ذاتها، بل في غياب معيار واضح يحدد من يُحتفى به ولماذا. حين تختل المعايير، يُصبح التجاهل سلوكًا طبيعيًا، ويغدو الاحتفاء انتقائيًا تحكمه المصالح لا القيم. وفي هذه الحالة، لا تتضرر النخبة الثقافية وحدها، بل تتضرر الذاكرة الوطنية بأكملها.
إن الدول التي لا تحفظ مكانة مفكريها، ولا تصون رمزية مثقفيها، تُخاطر بفقدان قدرتها على إنتاج المعنى. وحين تفقد الدولة هذه القدرة، تتحول إلى كيان إداري بلا روح، عاجز عن إقناع مواطنيه أو إلهامهم.
قد لا تغيّر بيانات التعزية واقعًا، لكنها تعكس رؤية. وحين تغيب هذه الرؤية، يصبح الصمت أكثر دلالة من الكلام.