الخميس 30 أبريل 2026

من فرحة الوحدة الى سؤال الدولة

لم يكن يوم 22 مايو 1990 حدثًا عاديًا في الوجدان اليمني، بل لحظة تاريخية نادرة التقت فيها مشاعر اليمنيين، شمالًا وجنوبًا، على الفرح والأمل. لم يكن هناك يمني واحد – تقريبًا – إلا واستقبل إعلان الوحدة بالابتهاج، وكان أكثرهم فرحًا أولئك الذين ذاقوا مرارة التشطير؛ النازحون من الجنوبيين في الشمال، ومن الشماليين في الجنوب، حيث بدت الوحدة وكأنها نهاية لزمن الانقسام وبداية لعهد جديد.


غير أن السنوات الأولى كشفت هشاشة الشراكة السياسية بين طرفي الوحدة، المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني. ومع تصاعد الخلافات والمناكفات، عاش اليمنيون حالة قلق حقيقي على مصير هذا المنجز التاريخي. وعندما اندلعت حرب 1994، لم يكن الاصطفاف بسيطًا أو أحاديًا؛ فقد وقف آلاف الجنوبيين إلى جانب الوحدة، لا انطلاقًا من عداء للجنوب، بل رفضًا لسياسات الحزب الاشتراكي التي سبق أن مستهم، وإيمانًا منهم بأن الوحدة مشروع يتجاوز أخطاء القوى السياسية.
لكن نتائج الحرب فتحت صفحة جديدة من التعقيد. فقد تعرض كثير من الجنوبيين، بمن فيهم من وقفوا مع الوحدة، للإقصاء والتهميش، خصوصًا في المؤسستين المدنية والعسكرية. هذا التحول في السياسات انعكس تدريجيًا على المزاج العام، لتتآكل القناعة بالوحدة كما تحققت، لا كفكرة في ذاتها، بل كممارسة على الأرض.
ومع انطلاق الحراك الجنوبي السلمي، عبّر قطاع واسع من أبناء الجنوب عن مطالب حقوقية وسياسية في إطار سلمي. إلا أن التعاطي الأمني مع هذه المطالب، وما رافقه من قمع واعتقالات، أسهم في رفع سقف المطالب من الإصلاح إلى الدعوة لفك الارتباط.
ثم جاءت أحداث 2011 لتعيد خلط الأوراق، حيث شارك اليمنيون في الشمال والجنوب في موجة التغيير، قبل أن تنزلق البلاد إلى حرب شاملة في 2015. في تلك اللحظة، توحدت أولويات كثير من الجنوبيين – بمختلف توجهاتهم – حول الدفاع عن مناطقهم في مواجهة الحوثيين وحلفائهم، في معركة وجودية أكثر منها سياسية.
غير أن مرحلة ما بعد الحرب، وخصوصًا مع صعود المجلس الانتقالي الجنوبي، أفرزت واقعًا جديدًا. فقد أدى أداء المجلس، بما شابه من اختلالات في الإدارة واتهامات بالفساد وتوظيف القضية الجنوبية، إلى مراجعات داخل جزء من الشارع الجنوبي، الذي بدأ ينظر إلى خيار الانفصال باعتباره ليس بالضرورة الحل الأمثل.
في هذا السياق، برزت فكرة الدولة الاتحادية كخيار وسط، يوازن بين الحفاظ على وحدة البلاد ومنح الأقاليم قدرًا واسعًا من الحكم الذاتي. وهو طرح يجد قبولًا لدى شريحة ترى أن المشكلة لم تكن في مبدأ الوحدة، بل في شكل الدولة وآليات إدارتها.
وعليه، فإن الادعاء بتمثيل الجنوب من قبل أي طرف بعينه يظل محل جدل، في ظل تنوع الآراء وتباين المصالح داخل المجتمع الجنوبي. فالقضية الجنوبية، بتعقيداتها وتاريخها، أكبر من أن تختزل في إطار واحد أو خطاب واحد، وتبقى الحاجة ملحة إلى مشروع سياسي جامع، يقوم على الشراكة، واحترام التعدد، والاحتكام إلى القانون، كمدخل لإعادة بناء الدولة ومعالجة آثار الحرب.