السلفية الجهادية.. البحث عن قابلية الاستعمال
تشكلت السلفية الجهادية من ركام النصوص لا من فراغ الواقع. ما يبدو انفجاراً مفاجئاً هو نتيجة مواد أعيد ضغطها بعد صدمات متتالية، بدأت بانهيار المشاريع الجامعة وصولاً إلى انكسارات الهوية، حتى تحولت تلك النصوص من مساحة للتعبد إلى وقود للصراع، وصارت أكثر قابلية للاشتعال من أي لحظة طارئة في تاريخ المنطقة. هذا التراكم لم يكن صدفة بل كان عملية بناء متأنية لنموذج فكري يقتات على التوتر، ويمهد الطريق لتحويل التأويل إلى سلاح، والواقع إلى ساحة تنفيذ لمخططات معدة سلفاً.
سجن سيد قطب وإعدامه في 1966 ثم هزيمة 1967 التي جعلت البعض يبحث عن إله ينتصر، ثم انفتاح السادات على الإسلاميين كسلاح ضد الناصريين قبل أن يقلب عليهم الطاولة. طبقات من تأويلات وتجارب عنف جرى تدويرها بعناية لا لتُفهم ولكن لتُستخدم. يقين يضيق كلما اتسعت رقعة الحقيقة ويشتد كلما احتك بالواقع كأن الاحتكاك نفسه عملية شحذ لا مراجعة.
في أواخر السبعينيات كان هناك كتيب مصري رقيق السمك سمي "الفريضة الغائبة" لم يكتبه شيخ كبير بل شاب عادي يدعى محمد عبد السلام فرج. قال فيه ببساطة أن العدو الأقرب أولى بالقتل. الكتيب لم يكن سميكاً لكنه كان ثقيلاً. ثقيلاً بما يكفي لتحريك أيادي اغتالت الرئيس السادات عام 1981. النص إذن لا يقرأ فقط بل ينفذ. هو قرار تنفيذي يتخفى خلف آية.
النص يتحرك بوظيفة عملية. يستدعى عند الحاجة ويؤدي المهمة دون تردد. أداة جاهزة أكثر منه مساحة تأمل. العالم يعامل كمادة خام تضغط داخل قالب معد سلفاً لا كمجال مفتوح للفهم. الفكرة تسبق الوقائع وتفرض عليها هيئة مسبقة كأن الواقع تفصيل متأخر في خطة مكتملة.
التراث يدخل عبر بوابة اختزال مريح. أحمد بن حبل يستحضر في صورة مكثفة، صلابة بلا هوامش. ابن تيمية يظهر كمرجع متعدد الاستعمالات صالح لكل الأزمنة، أداة لا تنتهي صلاحيتها. محمد بن عبد الوهاب يتحول إلى نقطة انطلاق لمشروع يتمدد خارج شروطه الأولى، مادة معرفية تعاد صياغتها لتعمل كدليل تشغيل تنظم السلوك بقدر ما تمنحه غطاء نظرياً.
في القرن العشرين يأخذ المسار شكلاً أكثر حدة. مع المودودي وسيد قطب تتحول الحاكمية إلى مقياس شامل وتسحب الجاهلية إلى الحاضر. لكن التبلور الفعلي لمصطلح "السلفية الجهادية" كتيار فكري مميز اكتملت معالمه في أفغانستان أواخر الثمانينيات. الفلسطيني عبد الله عزام، الذي أطلق فكرة "عولمة الجهاد"، ساهم في صياغة الأطر التي جمعت شتات المجاهدين تحت هذا المسمى. كان يظنه اسماً لمرحلة فإذا به يصبح اسماً لعقود. المجال العام يتحول إلى ساحة اختبار دائم حيث تقاس الوقائع بمدى انضباطها للنموذج.
أفغانستان تمنح الفكرة بيئة احتكاك مباشر لا لتتوازن ولكن لتزداد خشونة. هناك تصاغ العلاقة بين النص والسلاح على إيقاع واحد. بعد أن رحل عزام عام 1989، جاء أسامة بن لادن فجعل الجهاد عالماً لا حدود له، لتتسع الخريطة وتفقد حدودها التقليدية، وتُعاد كتابة المواجهة بمنطق الشبكات حيث يمكن لأي نقطة أن تتحول إلى مركز.
ثم جاء أبو محمد المقدسي الأردني، المنظر الأبرز للتيار، ليضخ الزخم السلفي النجدي في التيار الجهادي. لم يكتف بالقتل بل أراد أن يجعل منه عقيدة كاملة، عبر مفاهيم الولاء والبراء والعذر بالجهل والطائفة المنصورة. بفضله تحولت السلفية الجهادية من غضب إلى منهج. ومنهج يحتاج إلى مؤسسات والمؤسسات تحتاج إلى مال والمال يجلب الخلاف والخلاف يحل عادة بطلقة. هكذا تدور الدائرة.
تنظيم الدولة الإسلامية يقدم النسخة الأكثر انضباطاً ولكن أيضاً الأكثر تطرفاً. تحت قيادة أبو مصعب الزرقاوي، دخلت الدماء مرحلة جديدة. تسجيلات الذبح وتكفير حتى من كانوا بالأمس حلفاء. القاعدة نظرت إليه وقالت "لقد تجاوزت الخط"، وداعش أجاب "الخط كان قصيراً"، فانفصلا ليس كأخوين بل كعدوين يتقاسمان نفس الكتاب المقدس.
إدارة مباشرة وتطبيق سريع واختزال للاختلاف في إجراء فوري. التأويلات تترجم إلى تعليمات، والتعليمات تدار بعقلية أقرب إلى جهاز إداري صارم حيث التفاصيل اليومية تخضع لمراقبة دقيقة، كأن الفقه أعيدت صياغته على هيئة لوائح تشغيل.
في اليمن تصطدم هذه البنية بواقع يعيد ترتيب كل محاولة للهيمنة عليه. جغرافيا متشابكة وسلطة موزعة ومراكز قوة لا تستقر على شكل واحد. تنظيم القاعدة يبرع في هذه البيئة يتحرك بمرونة ويجد لنفسه موطئ قدم داخل فراغات متعددة مستفيداً من توازنات دقيقة بين الخوف والحاجة. تنظيم الدولة يظهر بصورة أكثر صخباً يراهن على الأثر السريع فيحضر بقوة ويختفي بالسرعة نفسها أشبه بضجيج مرتفع لا يترك وراءه بنية مستقرة.
بعد 2015 تتشكل صورة أكثر تركيباً. سلفية تحمل خطاب الطاعة وتعمل داخل بنية عسكرية رسمية. المقاتل العقائدي يعيد تعريف نفسه كموظف يؤدي وظيفة محددة ضمن جهاز هش ويضبط علاقته بالفكرة وفق متطلبات الدور. التوتر بين المبدأ والممارسة لا يحل وإنما يدار كجزء من العمل اليومي.
في الجنوب يتكثف هذا التداخل داخل تشكيلات الحزام الأمني وألوية العمالقة وقوات النخبة. قادة بخلفيات سلفية يقودون المشهد يتقدمهم تلاميذ مدرسة الوادعي ومن لف لفه بخطاب يعلن التمايز الحاد عن القاعدة في مسائل الولاء والبراء وطاعة ولي الأمر. السؤال يبقى معلقاً في الهواء، من هو ولي الأمر هنا؟ التحالف، الممول، المجلس الانفصالي. الجواب يتغير بتغير المصلحة والجميع يتظاهر بعدم ملاحظة ذلك. اللغة تختلف لكن الوظيفة تتشابه.
الخلاف العقائدي ينكمش أمام ضرورات الميدان. الولاءات تعاد صياغتها بسلاسة وأفراد ينتقلون من تنظيمات جهادية إلى وحدات رسمية بعد إعلان تخليهم عن تصنيفات سابقة في عملية تبدو أقرب إلى إجراء إداري منها إلى تحول فكري عميق حيث يكفي تعديل العنوان ليستمر المحتوى في أداء دوره.
بعيداً عن الضجيج كان بعضهم يراجع نفسه. الجماعة الإسلامية في مصر أصدرت مجلدات تعلن فيها أن الغلو كان وهماً. الجماعة الليبية المقاتلة فعلت الشيء نفسه عبر دراساتها التصحيحية. حتى "الدكتور فضل"، وهو الاسم الحركي للطبيب المصري سيد إمام الشريف (عبد القادر بن عبد العزيز)، منظر الدم الأكثر برودة ومفتي المجاهدين، كتب من زنزانته مراجعات مطولة تحت عنوان "وثيقة ترشيد العمل الجهادي". لكن المراجعات كما هي العادة لا تصدر بيانات صحفية ولا أحد يريد أن يصدق أن الجهادي يبكي على ما فعل.
تستمر الاغتيالات كآلية حاضرة تتحرك ضمن شبكة دوافع متداخلة. المفاهيم تتكرر بإيقاع ثابت، الحاكمية والولاء والبراء والتكفير والجهاد. التكرار لا ينتج وضوحاً بقدر ما يعيد تدوير المعنى داخل الدائرة نفسها حيث تتقارب التنظيمات في البنية وتختلف في أساليب التنفيذ.
مع الوقت تتبدل الأشكال. الكيانات الكبيرة تتفكك إلى وحدات أصغر أكثر قدرة على الحركة. النشاط ينتقل إلى فضاءات مرنة والنص يصبح أخف وزناً وأسرع انتشاراً. الفكرة تواصل إعادة إنتاج نفسها، تدخل بيئات مختلفة وتتكيف معها دون كثير من الحساسية كأنها لا تبحث عن تطابق بقدر ما تبحث عن قابلية الاستعمال.
