هل لايزال الحزب الليبرالي الكندي ليبراليًا
نجح الحزب الليبرالي الكندي (اليسار) رسميًا في تحقيق الأغلبية البرلمانية بفضل تأثير زعيمه الجديد مارك كارني، رئيس الوزراء. جاء ذلك بعد انشقاق نواب من حزب المحافظين (اليمين) وانضمامهم إلى الحزب الليبرالي، وهي سابقة تاريخية لم تشهدها كندا من قبل، مبررين ذلك بثقتهم برؤيته الاقتصادية.

كارني شخصية جديدة على الساحة السياسية في كندا بعد مسيرة طويلة في العمل المصرفي. فهو المحافظ السابق لبنك كندا، ويُنسب إليه الفضل في حماية الاقتصاد الكندي خلال أزمة الرهن العقاري عام 2008. وبسبب نجاحه، استعانت به بريطانيا ليكون أول شخصية غير بريطانية تتولى منصب محافظ بنك إنجلترا. إنه عقلية اقتصادية فذة، ورغم حداثة تجربته السياسية، أظهر مرونة وقوة كبيرة، واكتسب شعبية هائلة في أوساط الكنديين. كما تمكن من مواجهة ترامب بمزيج من الحزم والدبلوماسية، رغم سطوة الولايات المتحدة وتأثيرها الكبير على الاقتصاد الكندي.
ولكن، هل لايزال الحزب الليبرالي ليبراليًا؟ وهل أنقذ كارني الحزب أم أعاد تشكيله ليصبح أقرب إلى اليمين المحافظ؟! هذه التساؤلات تبرز بخاصة مع توجهاته التي يراها البعض مجحفة بحق العمال المؤقتين وطالبي اللجوء. فاتباعه سياسات تقشف اقتصادي وتقليص أعداد المهاجرين تبدو في جوهرها أكثر تناغمًا مع ما كان يطرحه المحافظون أنفسهم. ويتجلى هذا بوضوح في موقف حاكم أونتاريو المحافظ دوج فورد، الذي رأى في قيادة كارني فرصة لتحقيق استقرار سياسي واقتصادي يتجاوز الخلافات الحزبية، مما أعطى كارني دفعة قوية لتشكيل أغلبية برلمانية تستند إلى تقاطعات في الأفكار مع اليمين.
لفهم هذا التحول يكفي التذكير بما حدث قبل سنوات، ففي عام 2018 عندما هدد ترامب بترحيل طالبي اللجوء، خرج رئيس الوزراء آنذاك جاستن ترودو، بتصريح دعاهم فيه للانتقال إلى كندا.
وفي عام 2025، ومع عودة تلك السياسات في واشنطن، أعلن مارك كارني إغلاق الحدود، وأصدر قوانين صارمة لمنع المتسللين من تقديم طلبات لجوء. هذا يعكس حجم التحول الجذري في السياسة الكندية، ومن نفس الحزب الحاكم، تجاه ملف الهجرة.
وبينما تتبنى حكومة كارني سياسات متشددة في تقليص أعداد المقيمين الدائمين استجابةً للضغوط الاقتصادية، أقرت الحكومة قانون C-3 كإحدى الأدوات التي تعيد تعريف المواطنة الكندية. يمنح هذا القانون حق الجنسية لملايين المنحدرين من أصول بريطانية وفرنسية وأمريكية، ممن لديهم جذور تاريخية في البلاد تعود لحقبة الاستعمار. هذا التوجه يعكس رغبة في بناء مواطنة مستندة إلى الإرث التاريخي، وهي رؤية تمنح الجنسية لمن يمتلك رابطة الدم حتى لو لم يزر كندا يومًا، في الوقت الذي يتم فيه تشديد القيود على من هم داخل الأراضي الكندية.
هذا التحول يضع الحزب الليبرالي أمام مرحلة مراجعة لمبادئه التاريخية المتعلقة بتعدد الثقافات وحقوق الإنسان. فالمبررات الاقتصادية الحالية دفعت كندا نحو تبني إجراءات سيادية صارمة، وهو ما يراه البعض ابتعادًا عن المبادئ الليبرالية، واقترابًا من السياسات التي ينادي بها اليمين المتطرف في دول أخرى.
ولم يقتصر هذا التحول على الملفات الاقتصادية وملف الهجرة، بل امتد ليشمل قضايا مجتمعية حساسة، إذ اتخذت حكومة كارني قرارًا بدمج منصب مستشارة "الإسلاموفوبيا" ضمن مجلس استشاري وطني شامل لمكافحة الكراهية. ورغم أن القرار خطوة تنظيمية لتوحيد المعايير الحقوقية تحت مظلة واحدة، إلا أنه عكس في الوقت ذاته قدرة كارني على إيجاد أرضية مشتركة مع تيار اليمين الذي كان ينتقد هذه المناصب الفئوية.
وهكذا يبدو مارك كارني أقرب إلى المحافظين منه إلى الليبراليين، رغم دوره في إنقاذ الحزب الليبرالي من الهزيمة في الانتخابات الماضية، إلا أنه أعاد تشكيل حزبه ليصبح نسخة جديدة من التيار المحافظ. وعلى المدى القريب قد يتجه حزب المحافظين نحو مزيد من التطرف لإيجاد مسافة سياسية كافية تميزهم عن النهج الجديد لحزب كارني، وسيحتاج اليساريون والليبراليون إلى سنوات لإعادة ترتيب حضورهم وتأثيرهم السياسي بهوية جديدة بعد هذا التحول الكبير الذي طرأ على حزبهم.