صنعاء 19C امطار خفيفة

الشرعية بين الوفاء والإنكار: معضلة التعامل مع أبناء الشتات

لم يعد خافيًا على أحد أن واحدة من أبرز أزمات الشرعية اليوم لا تكمن فقط في تعقيدات المشهد السياسي أو تشابك التدخلات الإقليمية، بل في طريقة إدارتها لعلاقتها بحلفائها وأنصارها، خصوصًا أولئك الذين وجدوا أنفسهم في الشتات، بعد أن كانوا في صدارة المواجهة دفاعًا عنها.


لقد وقف كثيرون إلى جانب الشرعية في أحلك الظروف، لا بدافع مصلحة آنية، بل انطلاقًا من قناعة سياسية وأخلاقية. منهم من حمل السلاح، ومنهم من واجه حملات التشويه والتضليل بالكلمة والموقف، ومنهم من دفع ثمن ذلك نفيًا أو إقصاءً أو حرمانًا من أبسط حقوقه. هؤلاء لم يكونوا مجرد داعمين عابرين، بل كانوا جزءًا من معركة وجودية خاضتها الشرعية من أجل البقاء.
غير أن المفارقة الصادمة اليوم تتمثل في أن هذه الشرعية ذاتها تبدو أقل وفاءً لهؤلاء، وأكثر انفتاحًا على خصوم الأمس. فبدل أن يكون الوفاء معيارًا في إعادة ترتيب الصفوف، نشهد حالة من إعادة التدوير السياسي، يُمنح فيها من خاصموا الشرعية فرصًا جديدة، بينما يُترك من دافعوا عنها في دائرة التهميش والنسيان.
هذه الازدواجية لا تُفهم فقط بوصفها خللًا إداريًا أو سوء تقدير سياسي، بل تعكس أزمة أعمق في بنية التفكير السياسي، حيث تغيب معايير العدالة والإنصاف، ويحل محلها منطق البراغماتية الضيقة التي قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تقوّض الثقة على المدى البعيد.
إن تجاهل أبناء الشتات، وهم الذين يمثلون رصيدًا سياسيًا ومعنويًا مهمًا، لا يعني فقط خسارة أفراد، بل خسارة سردية كاملة من الصمود والالتزام. هؤلاء يشكلون ذاكرة حية لمرحلة حرجة، وإقصاؤهم يعني قطع الصلة بين الماضي الذي صمد، والحاضر الذي يبحث عن شرعية جديدة.
كما أن احتضان الخصوم دون مراجعة حقيقية لمواقفهم السابقة، ودون إطار واضح للمصالحة الوطنية، يبعث برسائل سلبية، مفادها أن المواقف لا قيمة لها، وأن الانحيازات يمكن تغييرها دون ثمن، وأن الولاء ليس شرطًا للاستحقاق.
إن بناء دولة عادلة لا يمكن أن يقوم على هذا التناقض. فالعدالة تبدأ بالاعتراف، والاعتراف يبدأ بإنصاف من وقفوا في الصف الأول. ليس المطلوب إقصاء أحد، بل إعادة ترتيب الأولويات على أساس واضح: من دعم الدولة يجب أن يكون أقرب إليها ممن حاربها، ومن ضحّى من أجلها يجب أن يُكرَّم لا أن يُهمَّش.
في النهاية، تبقى الشرعية أمام اختبار حقيقي: هل تريد أن تبني مشروعًا سياسيًا قائمًا على الثقة والوفاء، أم تستمر في إدارة اللحظة بمنطق الصفقات المؤقتة؟ الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط مصيرها، بل مصير كل أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بها، رغم كل شيء.

الكلمات الدلالية