مضيق هرمز: بين التعطيل الايراني والحصار الامريكي
في الصراع الامريكي الاسرائيلي الايراني، لا توجد مؤشرات حقيقية على انفراجة قريبة على مستوى الأفق السياسي، بل على العكس، يتجه نحو مزيد من التعقيد وإعادة هندسة أوراق الضغط.

غياب التنازلات الاستراتيجية من الطرفين يعكس تمسكًا متبادلًا بشروط تفاوضية قصوى، مما يجعل أي مفاوضات مجرد أداة لشراء الوقت، لا محطة انتقال نحو التسوية او التهدئة.
الولايات المتحدة برئاسة ترامب تريد ان تعلن نجاح عمليتها العسكرية وخضوع ايران لجميع شروطها من ناحية، وطهران تسعى إلى إثبات قدرتها على الصمود ورفع كلفة المواجهة، ليس فقط على واشنطن، بل على النظام الاقتصادي العالمي بأسره.
في موازاة هذا التصعيد، تلوح في الأفق نهاية هدنة كانت قد خفّفت مؤقتًا من وتيرة المواجهة العسكرية المباشرة. ففي الوقت الذي تراجع فيه إطلاق النار بين مختلف الأطراف، لم تتجه الأزمة نحو التهدئة بقدر ما أعادت تشكيل نفسها بأدوات مختلفة، فبدلًا من الصواريخ والضربات المباشرة، برزت سياسة خنق الممرات الحيوية كبديل استراتيجي ، وتحوّل الضغط إلى المجال البحري، وأصبح مضيق هرمز ساحة المواجهة الجديدة.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ، بل العقدة الجيوسياسية الأكثر حساسية في العالم، والممر الذي تمر عبره شرايين الطاقة العالمية، إنه نقطة عبور استراتيجية تتحكم بما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، وبالتالي يمنح أي طرف قادر على التأثير فيه نفوذًا يتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد العالمي برمته.
ومن هنا، تتعامل إيران مع المضيق باعتباره "ورقة الردع غير متكافئة" في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي. إيران تدرك أن ميزان القوى التقليدي لا يميل لصالحها، لكنها في المقابل تستثمر في الجغرافيا عبر تموضعها على الضفة الشمالية للمضيق، وتطويرها لقدرات بحرية غير تقليدية — تشمل الزوارق السريعة، الألغام البحرية، والصواريخ الساحلية .
إن إعلانها المتكرر عن إغلاق مضيق هرمز ليس قرارًا تكتيكيًا بقدر ما هو ورقة ضغط استراتيجية تستهدف الاقتصاد العالمي قبل الخصم المباشر، وأي تعطيل فيه يُترجم فورًا إلى أزمة دولية، وهو ما يمنح طهران قدرة ردع غير متكافئة، بحيث أصبحت قادرة على تهديد الملاحة أو تعطيلها جزئيًا على الأقل، علاوة على إعلانها فرض ضرورة التنسيق المسبق وفرض رسوم عبور. هذه الخطوة ليست مجرد خطوة إدارية، بل رسالة سيادية مفادها "التحكم يبدأ من هنا".
في المقابل، اعلنت الولايات المتحدة فرضها حصارا بحريا على مضيق هرمز ضمن عقيدة السيطرة البحرية وذلك في ظل وجود اسطولها البحري ومدمراتها العسكرية في الخليج، في محاولة لفرض حصار أو رقابة على السفن. وتهدف بهذه الاستراتيجية الى نزع هذه الورقة من يد طهران وتحويل المضيق إلى منطقة خاضعة للهيمنة الأمريكية.
بمعنى آخر، لا يوجد "متحكم واحد " فعلي لمضيق هرمز في الوقت الراهن ، بل يوجد توازن هش قائم على القدرة على الإضرار المتبادل، هذا التوازن يجعل من أي تصعيد خطوة عالية الكلفة على الطرفين، ويفتح المجال أمام أطراف ثالثة — كالصين، والهند، ودول الخليج — للتدخل سياسياً لضمان استمرار تدفق الطاقة.
في هذا السياق، تبدو محاولات الوساطة، سواء من باكستان أو أطراف أخرى، جزءًا من إدراك دولي متزايد بأن استمرار التوتر في المضيق يهدد استقرار الأسواق العالمية، وليس فقط أمن الإقليم. فإغلاق المضيق — حتى لو كان جزئيًا — كفيل برفع أسعار النفط بشكل حاد، وإحداث اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية.
خلاصة المشهد اليوم تقر بأن مضيق هرمز ليس ورقة رابحة بيد طرف بعينه ايرانيا كان او امريكي، بل هو ساحة اختبار لإرادات متصارعة، إيران تملك قدرة التعطيل، وأمريكا تملك أدوات الاحتواء، لكن أي محاولة للسيطرة الكاملة ستقود إلى تصعيد لا يمكن التحكم في نتائجه.
لذلك، السؤال الأدق ليس من يحكم مضيق هرمز؟، بل "من يستطيع تحمل كلفة كسره؟