البكتاشية.. العلاقة الفوضوية مع المقدس
في زمن كانت فيه الطرق الصوفية تتبارى في كثرة الأوراد وطول المسبحة، خرجت البكتاشية من قلب الأناضول كرجل ثمل يخلع ملابسه في الطريق. طريقة لا تشبه أحداً ولا أحد يشبهها. لا عمامة بيضاء مشدودة بإحكام، ولا مسبحة طويلة تلامس الأرض. هناك في تكايا الجبال وخلف أسوار ثكنات الإنكشارية كان الدرويش البكتاشي يمرغ روحه في التراب ثم يشرب الخمر كأنها ماء زمزم.
نبتت البكتاشية كأغرب توليفة عرفها الخيال السياسي والديني بينما كانت الجغرافيا العثمانية الباكرة تمخض بولادة إمبراطوريةٍ لا تغيب عنها الشمس. المسافة بين الحاج بكتاش ولي، الصوفي الزاهد وبين الإنكشاري المقاتل الشرس لم تكن مجرد مسافة بين التكية والثكنة، كانت الفجوة التي استطاع الرمز أن يجسرها ببراعة، محولاً الخرقة الصوفية إلى درع حربي والذكر الخفي إلى بيان عسكري، في مراوغة عبقرية جعلت من التصوف (الشيعي الروح) والجسد (السني القالب) جهاز تنفس لجيش لا يقهره سوى الجدل.
حاجي بكتاش ولي لم يترك كتاباً ولا رسالة، لكنه ترك فكرة واحدة، أن الإيمان لا يحتاج إلى مسجد. فكرة صغيرة كفت لتتحول إلى مذهب يمشي على قدمين. أتباعه جعلوا منه ولياً ثم قطباً ثم سراً، حتى صار اسمه أشبه بختم على جبين كل من أراد أن يصلي بلا قبلّة، وأن يصوم بلا جوع، وأن يعبد الله كما يعشق الإنسان حبيبته بالهذيان لا بالترتيب.

البكتاشي لا ينام في زاوية المسجد وإنما في نادي الإنكشارية. أبناء هذه الطريقة كانوا ظل السلطان في حروبه، وصوت الفوضى في قصوره. جند يصلون الفجر بلا وضوء، ويقاتلون بلا خوف، ويموتون بلا وصية. السلطة العثمانية احتاجتهم لأنهم وحدهم من يستطيع أن يكونوا مجانين في المعركة وعقلاء في الثكنة. وحين سقطت الإنكشارية تخلى عنهم السلطان كمن يتخلص من حذاء قديم. بقي الدراويش يتسولون في الطرقات، يرددون أشعاراً لا يفهمها أحد، ويرقصون على إيقاع لا يسمعه غيرهم.
العقيدة البكتاشية تشبه خزانة مهملة فيها أوراد علوية، وتعاليم إسماعيلية، وفلافل روحانية فارسية، وزبدة مسيحية، ورشة من فلسفة أفلاطون. علي عندهم ليس إماماً فقط، هو باب الحقيقة ووجه الله ومرآة الوجود. والإمام جعفر الصادق يمر من هناك كضيف عابر، وأرطغرل كبطل شعبي، وسلطان الروم كرمز. لا تسألهم عن الشريعة لأنهم تجاوزوها إلى الحقيقة. ولا تسألهم عن الحقيقة لأنهم يبحثون عنها في كأس نبيذ وفي نظرة امرأة وفي صمت الجبل.
طقوسهم موسيقى هاربة من كنيسة إلى خانقاه. يذكرون الله وهم يدورون كأن الأرض تهتز تحتهم. يشربون الخمر في "مجامع الإخوة" ويسمونها "عنب الجنة". الرجال والنساء يجلسون معاً في الحلقة، من غير حجاب ولا فواصل، كأن المجتمع العثماني برمته كان مجرد وهم أمام هذه الفوضى المقدسة.
غضب الفقهاء منهم كثيراً وأفتوا بقتلهم وحرق تكاياهم، لكن البكتاشي كان يهرب إلى الجبل أو يختفي في ثكنة، ثم يعود كأن شيئاً لم يحدث. لديه قدرة نادرة على البقاء. إذا لم يجد مسجداً صلّى على ظهر حصانه، وإذا لم يجد شيخاً اكتفى بظله، وإذا لم يجد ربه في السماء بحث عنه في الأرض.
في العصر الحديث تراجع البكتاشيون كما يتراجع الضوء في آخر الليل. ألبانيا أوت لهم بيتاً جديداً ففتحوا تكايا في تيرانا، وأصبحوا تراثاً وطنياً. البعض يرى فيهم نادياً فلسفياً أكثر من كونه طريقة صوفية، والبعض يراهم متحفاً يمشي على قدمين. قلة من الدراويش ما زالوا يمارسون الطقوس القديمة، يدورون ويذكرون ويشربون، بينما جيل جديد من الألبان المثقفين ينظر إليهم كفضول أثري.
لم تكن البكتاشية ديناً بديلاً ولا مذهباً مستقلاً، إنها تجربة فوضوية في العلاقة مع المقدس. حاولوا أن يجعلوا الله قريباً كصديق سكير، وأن يلغوا المسافة بين الحلال والحرام، وأن يحولوا الجنة إلى حانة صغيرة على قمة جبل. لهذا كرههم الفقهاء كثيراً، وأحبهم الجنود كثيراً، وظلوا هم يتأرجحون بين التقديس والإهمال، كرقصة لا تنتهي إلا عندما يسقط الدرويش على الأرض منهكاً، مبتسماً، وكأنه وجد الله أخيراً في التراب الذي يغطي وجهه.
