صنعاء 19C امطار خفيفة

مصر بين صخب الاصطفافات وحكمة التاريخ

في كل مرة يشتد فيها التوتر في الشرق الأوسط، يعود الجدل القديم بصور جديدة. الصراع الراهن بين الولايات المتحدة وإيران، وما يتصل به من حضور دائم لـإسرائيل في معادلات المنطقة، أعاد فتح أبواب النقاش في العالم العربي. وكما يحدث غالبًا، تُذكر مصر في هذا السياق بين مؤيد ومعارض، بين من يطالبها باتخاذ موقف حاسم، ومن يرى أن حيادها أو حذرها موقف ملتبس. لكن كثيرًا من هذه النقاشات يجري في فضاء انفعالي، وكأن المنطقة تعيش مباراة كرة قدم: من سيربح؟ ومن سنشجع؟

هذه الطريقة في التفكير تكشف، في الحقيقة، عن أزمة أعمق: أزمة قراءة للتاريخ. فالذي لا يقرأ التاريخ يمكنه أن يقول ما يشاء، وأن يختزل الصراعات المعقدة في شعارات سريعة أو انحيازات عاطفية. بعض الأصوات تتعاطف مع إيران إلى درجة التبرير المطلق، بدافع انتماء أيديولوجي أو عداء مبدئي للسياسات الأمريكية. وفي المقابل، هناك من يبرر للولايات المتحدة تدخلاتها في الشرق الأوسط باعتبارها ضرورة سياسية أو أمنية، متجاهلًا ما خلّفته تلك التدخلات من كوارث إنسانية وتفكك سياسي في أكثر من بلد.
بين هذين الطرفين تضيع المسافة التي تحتاجها السياسة: مسافة العقل.
فالقضية ليست اصطفافًا بين محورين، بل شبكة معقدة من المصالح والتاريخ والجغرافيا السياسية. لذلك فإن التعامل مع هذه الصراعات يجب أن يخرج من منطق التشجيع والانفعال إلى منطق آخر يقوم على الرفض المبدئي للحروب، والسعي إلى المفاوضات، وتفعيل مؤسسات السلام الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق يبرز السؤال: أين تقف مصر من كل ذلك؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولًا من العودة إلى التاريخ القريب. فقد عرفت مصر خلال القرن العشرين سلسلة من المواجهات والاختبارات الكبرى التي تركتها، في أحيان كثيرة، شبه وحيدة في مواجهة تحولات إقليمية ودولية قاسية. ومع ذلك لم يكن دورها مقتصرًا على حماية مصالحها الوطنية، بل امتد إلى لعب دور محوري في محيطها العربي.
فمنذ منتصف القرن الماضي، كانت مصر أحد أهم مصادر القوة الثقافية والتعليمية في العالم العربي. آلاف المعلمين والأكاديميين المصريين انتشروا في مدارس وجامعات الدول العربية، وأسهموا في بناء منظومات تعليمية كاملة في الخليج واليمن والسودان وليبيا وغيرها. لم يكن هذا الدور مجرد تصدير للخبرات، بل كان تعبيرًا عن فكرة أوسع: أن مصر ليست دولة معزولة، بل جزء من نسيج عربي متكامل.
ولهذا كانت، لسنوات طويلة، البوابة المفتوحة للعرب؛ ثقافيًا وتعليميًا وسياسيًا.
لكن هذه المكانة التاريخية لا تعني أن مصر تستطيع اليوم أن تتحرك في كل صراع إقليمي بالطريقة التي يتخيلها البعض. فالعالم تغير، والشرق الأوسط أصبح ساحة معقدة لتداخل المصالح الدولية والإقليمية. لقد أدخلت الولايات المتحدة، عبر عقود من السياسات والتحالفات، المنطقة في سلسلة من الأزمات المتشابكة، سواء عبر التدخل العسكري المباشر أو عبر إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
يكفي أن نتذكر ما جرى في العراق وليبيا وسوريا واليمن. ففي كل تلك الحالات رُفعت شعارات مثل مكافحة الإرهاب أو محاربة تنظيم القاعدة، لكن النتائج كانت في كثير من الأحيان دولًا منهكة ومجتمعات ممزقة وخرائط سياسية غير مستقرة.
هذه التجارب تركت أثرًا عميقًا في وعي دول المنطقة، ومنها مصر، التي أصبحت أكثر حذرًا في التعامل مع أي صراع قد يفتح الباب أمام فوضى جديدة.
في الوقت نفسه، تواجه القاهرة ضغوطًا وتحديات من اتجاهات مختلفة. فهناك ملفات إقليمية شائكة تتقاطع فيها مصالح دول مثل إسرائيل وتركيا والإمارات وإثيوبيا، إضافة إلى الأوضاع غير المستقرة في ليبيا والسودان. كل هذه الملفات تجعل من القرار السياسي المصري قرارًا شديد الحساسية، يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالأمن القومي والاستقرار الداخلي والتوازنات الإقليمية.
لهذا السبب يبدو من التبسيط المخلّ مطالبة مصر باتخاذ موقف انفعالي في أي صراع إقليمي، وكأنها تتحرك في فراغ سياسي. فالدول لا تتصرف بالشعارات، بل بالمصالح والحسابات الدقيقة.
وهنا يظهر جانب آخر من النقاش الدائر في المنطقة، يتعلق ببعض الخطابات التي تصدر في دول الخليج العربي. ففي لحظات التوتر الكبرى، يُطرح أحيانًا سؤال مفاده: لماذا لا تتحرك مصر؟ أو لماذا تبدو متحفظة؟
لكن هذا السؤال يغفل حقيقة أساسية: أن مصر تدرك جيدًا تعقيدات الحروب الإقليمية وحدود قدرتها على التأثير فيها. فعدم التدخل لا يعني بالضرورة ضعفًا أو ترددًا، بل قد يكون تعبيرًا عن قراءة أعمق لمآلات الصراع.
الحروب في الشرق الأوسط نادرًا ما تبقى داخل حدودها الأولى. إنها تتوسع، وتتشابك، وتفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. ولهذا فإن الحكمة السياسية قد تكون أحيانًا في ضبط الإيقاع لا في تسريع الخطى.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض دول الخليج وجدت نفسها خلال العقود الماضية في قلب الاستراتيجيات الأمريكية في المنطقة. هذه العلاقة قامت، في جزء كبير منها، على تبادل المصالح الاقتصادية والأمنية، لكنها جعلت تلك الدول أيضًا جزءًا من منظومة سياسية أوسع تقودها واشنطن.
إذا كانت هذه العلاقة خيارًا استراتيجيًا واعيًا، فمن الطبيعي أن تتحمل تلك الدول تبعاته. أما إذا كانت مجرد شبكة مصالح اقتصادية وسياسية، فإن الحاجة تصبح أكثر إلحاحًا إلى إطار عربي جامع يستطيع إدارة الخلافات وتخفيف التوترات.
وهنا يبرز الدور الذي يفترض أن تضطلع به جامعة الدول العربية. فرغم كل ما يقال عن ضعف هذه المؤسسة أو محدودية تأثيرها، فإنها تبقى الإطار العربي الوحيد القادر — نظريًا على الأقل — على جمع الدول العربية حول طاولة واحدة لمناقشة القضايا الكبرى.
إن فكرة أن تكون هناك دولة «سيدًا» على بقية الدول في المنطقة فكرة مدمرة بطبيعتها. فالسياسة الدولية الحديثة تقوم على مبدأ السيادة المتساوية للدول، وعلى احترام القانون الدولي والاتفاقيات الجماعية.
ولهذا فإن الطريق الوحيد للخروج من دوامة الصراعات الإقليمية لا يمر عبر سباق النفوذ أو استعراض القوة، بل عبر بناء منظومة سياسية تقوم على الحوار والتفاوض والالتزام بالقانون.
في النهاية، لا ينبغي النظر إلى الصراعات الجارية في الشرق الأوسط بوصفها مباريات يمكن تشجيع أطرافها. إنها حروب حقيقية يدفع ثمنها البشر قبل الحكومات، والمجتمعات قبل الجيوش.
ولهذا فإن الموقف الأكثر عقلانية ليس الاصطفاف الأعمى مع هذا الطرف أو ذاك، بل الدفاع عن مبدأ بسيط لكنه بالغ الأهمية: أن السلام، بكل ما يتطلبه من مفاوضات واتفاقيات وضمانات، يظل الخيار الأكثر شرعية وإنسانية في كل لحظة من تاريخ هذه المنطقة المضطربة.

الكلمات الدلالية