من اليمن إلى بلجيكا ما الذي يبكي خوسيه البيضاني
في تونجيرين (Tongeren)، أقدم المدن البلجيكية، لاتمضي في شوارعها وأزقتها دون أن تشعر أن التاريخ يراقبك بصمتٍ مهيب، لكن ماحدث لي هناك بدون ترتيب ولا سابق معرفة كان لقاء إنساني نادر، تختلط فيه الجغرافيا بالذاكرة، والتاريخ بالحنين، ويتكثف فيه معنى الانتماء للأرض في لحظة واحدة..
تعرفت على رجلٍ من يهود اليمن، اسمه جوسي بيضاني، يقيم في هذه المدينة منذ أكثر من 56 عاماً، ويمتلك أحد أهم مطاعمها، رجلٌ يبدو للوهلة الأولى مندمج تماما في محيطه الأوروبي، لكنه ما إن عرف أنني من اليمن، حتى انقلب المشهد كله في لحظةٍ خاطفة، انفرجت أساريره، وبشّ وجهه، وارتسمت ابتسامة دافئة على محيّاه، وتغيّرت نبرة صوته، بل وتبدّلت لغته، وكأن شيئاً دفيناً في داخله استيقظ فجأة، قال بلهفة صادقة، لاتخطئها الأذن، ولاتنكرها العين؛ أهلاً بصاحب البلاد.. أنا من اليمن..!!
لم تكن مجرد عبارة ترحيب، بل كانت إعلان انتماء، واعتراف بهوية لم تذُب رغم مرور أكثر من نصف قرن من الغياب.. أخبرني أن أصوله تعود إلى محافظة البيضاء، ومنذ تلك اللحظة، لم يعد استقباله لي استقبال عادي، بل تحوّل إلى مايشبه الاحتفال الحقيقي، حفاوةٌ غامرة، واهتمام استثنائي، وفرح واضح لايمكن إخفاؤه..
عرّفني على زوجته البلجيكية بكل اعتزاز، والتقطنا جميعاً الصور وكأنه يعانق جزء مفقود من ذاكرته، أو يستعيد ملامح أهله الذين غابوا عنه طويلاً..
لم يكن المشهد مصطنع أو مبالغ فيه، بل كان مشهد حقيقي تلقائي صادق إلى حدٍ مؤثر، وكأنه لقاء أسرة تفرقت منذ زمن بعيد..!!
لكن الحكاية لم تنتهِ عند ذلك الحد..
بعد حواري القصير معه، غادرت إلى بيت أحد الأصدقاء الذي يسكن بالقرب منه، وهناك كتبت منشور سريع على الفيسبوك أروي فيه تفاصيل هذا اللقاء الذي لامس شيء ما بداخلي، وحين عدت لاحقاً إلى سيارتي التي كانت تقف بمحاذاة مطعمه، لمحني من الداخل.. لم يتردد، رفع يديه معاً، ورسم بهما إشارة قلب نحوي، بابتسامة عفوية، وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد، أو كأنه وجد فجأة ماكان يبحث عنه منذ سنوات طويلة، ربما وجهاً يشبه وطنه، أو ملامح تُعيد إليه هويته التي غابت عنه لنصف قرن..!!
لم أستطع تجاهل تلك المشاعر الجياشة، وعدت إليه مرة أخرى، دخلت المطعم، صافحته، وأخبرته أنني نشرت صورته وكتبت عنه منشور في صفحتي على الفيسبوك..
طلب مني أن أقرأه له، لأنه لايجيد القراءة بالعربية، بدأت أقرأ، ومع كل جملة، كانت ملامحه تتبدل، وصوته يخفت، وعيناه تمتلئان بشيءٍ أثقل من الدموع..
وحين انتهيت، لم يتكلم كثيراً، فقط مدّ يده نحوي، وكأنه يريد أن يُريني شيئاً لايُقال، كانت القشعريرة واضحة على ذراعه، من المعصم حتى الكتف، وكأن الكلمات أيقظت في داخله ذاكرة نائمة، أو لمست جرحاً جميلاً اسمه اليمن..
في عينيه كان هناك ما هو أبلغ من كل الكلمات.. حنينٌ قديم، متراكم عبر السنوات، وشوقٌ لم يخفت رغم المسافات، ومحبةٌ صافية لكل مايمت لليمن بصلة، كأن رائحة الوطن، بكل تفاصيلها الصغيرة، لاتزال تسكنه، وتعيش فيه، وتنبض مع كل ذكرى.
زوجته البلجيكية، التي كانت تراقب المشهد، أدركت حجم التأثر دون أن تفهم كل التفاصيل، تركت مابيدها، اقتربت منه، واحتضنته بحنان، تطبطب عليه وكأنها تعرف أن هذا الرجل، الذي عاش هنا كل هذه السنوات، مايزال يحمل في داخله وطن لم يغادره يوماً..
بعد منشور الفيسبوك؛ اتصل بي العزيز سامي غالب، الذي التقط جوهر الحكاية سريعاً، وطلب مني تحويل ذلك المنشور إلى مقال يليق بالنشر في صحيفة النداء الغراء، كانت لفتة كريمة، لكنها في حقيقتها تأكيد على أن بعض القصص الصغيرة تحمل في طياتها معنى كبير يستحق أن يُروى..
هذا اللقاء، بكل تفاصيله، ذكّرني بحقيقةٍ لاتتغير؛ وهي أن اليمني، أيّاً كان دينه أو موقعه أو المسافة التي تفصله عن بلده، لايُقتلع أو يُجتث من جذوره أبداً، قد يهاجر، قد يستقر، قد يندمج في مجتمعات أخرى، وقد يتقن لغاتٍ جديدة، لكن شيئاً ما يظل ثابتاً في داخله.. خيطٌ خفي يشده دائماً إلى تلك الأرض الأولى، إلى الطين الذي تشكّلت منه ذاكرته، وإلى المكان الذي بدأت منه الحكاية.
في هذه المدينة العتيقة، عاصمة الإمبراطورية الرومانية كما يقول اهلها، لم ألتقِ برجلٍ يمني فقط، بل التقيت بصورةٍ حية لليمن، وهي تعيش في قلب إنسان، وتقاوم النسيان، وتنتصر للانتماء، بعد أكثر من نصف قرن من الغياب..
