تعز.. الوعي في مواجهة الاستهداف الممنهج
لعبت تعز دوراً ريادياً في حركة التنوير الفكري والعلمي، وشمخ مبدعوها في مختلف المجالات العلمية والأدبية والسياسية والاقتصادية، وغيرها.
من تعز انطلقت التيارات الفكرية التحررية بمختلف مشاربها اليسارية واليمينية، مسببةً أرقاً للدول الرجعية التي خشيت المدّ التحرري القومي واليساري؛ فوضعتها في صدارة أهدافها لكبح هذا التفرد الثوري في المنطقة، ودخلت معها في مواجهة مباشرة وغير مباشرة، عبر حرب الدفاع عن الجمهورية، ومحاربة المدّ اليساري، وغيرها.
إن انتشار المدّ القومي التحرري في خمسينيات القرن المنصرم، وبلوغ ذروته في نهاية السبعينيات، لم يُقلق الأنظمة الرجعية العربية فحسب، بل أقلق أيضاً الأنظمة الاستعمارية التي تمكنت من التغلغل عبر أدواتها في المنطقة، ليس لفرملة هذا المدّ، وخصوصاً اليساري منه، الذي مثلت تعز مركز ثقله، بل للقضاء عليه تماماً.
سخّرت المخابرات المركزية الأمريكية والإسرائيلية نشاطها الاستخباراتي لمكافحة ما سُمّي بالمدّ الشيوعي في تعز، القادم من عدن، عبر تمويلٍ ممنهج للإسلام السياسي، حتى وصل نشاطها إلى كل بيت في أقصى القرى النائية في محافظتي تعز وإب. وقد مزّق ذلك اللحمة الوطنية وروابط المحبة والأخوّة على مستوى القرى الصغيرة، بل وفي الأسرة الواحدة.
فكثرت المساجد، حتى بلغ الأمر أن قرى صغيرة لا يقطنها أكثر من مائة شخص، بُني لها أربعة مساجد حديثة على الأقل، فضلاً عن المساجد القائمة من قبل، في ظل غياب الماء، والمدرسة، والمستوصف، والطريق؛ بهدف خلق بيئة تنازع دائم.
وتنازع الناس حول هذه المساجد، وحول إجازة الصلاة في مسجد فلان دون علّان، ووصل الأمر إلى إحجام البعض، وخصوصاً كبار السن، عن الذهاب إلى المساجد، وتركها للشباب المتحمس للجهاد في نصرة الإسلام في عدن وأفغانستان؛ وهو في باطنه – من حيث لا يعلمون – جهادٌ لوأد قضية التحرر العربي من الهيمنة الاستعمارية الغربية الأمريكية، وهو ما كشفته الأيام الماثلة أمامنا لإنهاء القضية الفلسطينية وتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد.
المال الذي ضُخّ، ولا يزال يُضخ حتى اليوم، للجهاديين، وإن تغيّرت الأسماء والأشكال، مقابل تأجيج الصراعات وإشعال الفتن، وإفقار وحرمان المواطنين البسطاء، وشراء ذممهم تحت ضغط الفاقة، صار وسيلةً للهيمنة والبطش والتوغل في تفتيت تعز تحديداً.
لقد وُظِّف المال، ولا يزال، باتجاه تفتيت تعز عقاباً على دورها المحوري الذي تضطلع به في إعلاء راية جمهورية المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية، وإذكاء روح التحرر والاستقلال من الهيمنة الخارجية.
فنظامٌ جمهوري في جزيرةٍ من الممالك والإمارات غير مرغوبٍ له، وسيظل جسماً غريباً فيها، تُسعى محاولاتٌ حثيثة لإعادة تشكيله وتركيبه بما يتماشى مع توجهاتها وتوجهات راعيها، الولايات المتحدة الأمريكية.
إن استشهاد خيرة أبناء تعز، وآخرهم وجه تعز الباسم، أفتهان المشهري، علامة فاصلة فضحت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن تعز مستهدفة ضمن عملية ممنهجة لوأد أي حلم يتطلع إليه اليمنيون في بناء دولة مدنية ذات سيادة على كامل الوطن اليمني، تكون فيها تعز – كما كُتب لها – دينامو لتحقيق هذا الحلم.
وما اغتيال أفتهان، وقبلها عدنان الحمادي، والجبزي، والصحفي عبدالصمد القاضي، وغيرهم، وحتى الأطفال لم ينجوا من هذه الاغتيالات، والإخفاء القسري لخيرة شباب تعز، كأيوب الصالحي وأكرم حميد وغيرهم، إلا جزء من تداخل وتزاوج شبكة محلية وإقليمية حسمت أمرها تجاه ما تريده من تعز منذ وقت مبكر؛ لخلق جيل جديد يشوه وجه المدينة الجميلة.
لكن تعز الباسمة الحالمة قد استوعبت اللعبة؛ فلن تنجرّ وراء خلافاتٍ وصراعاتٍ ضيقة، وهي الحاضنة التاريخية لكافة شرائح المجتمع، من الجنوب والشمال، ومن الشرق والغرب. فلا يشعر الزائر إليها، أو المقيم فيها، من أي بقعةٍ من البلاد، بأي انتقاصٍ أو غبن.
تعز، التي يدين لها جيل الآباء في عموم الوطن اليمني، من المهرة إلى الحديدة، ومن صعدة إلى سقطرى، مروراً بردفان والضالع ويافع وشبوة والمحويت والجوف وصنعاء وأبين، وغيرها من المناطق اليمنية، ممن درسوا على أيدي أبنائها، ستظل وفيةً في معركة استعادة الوعي.
تعز، التي احتضنت رجال التحرر الوطني من الاستعمار البريطاني، من مناضلي الجبهة القومية وجبهة التحرير والتنظيم الشعبي وغيرهم، وثوار سبتمبر ضد الإمامة؛ الغزالة التي تكالبت عليها الوحوش، لن تكون إلا كما أراد لها أبناؤها الأحرار: مدينة الوعي، والحب، والوئام، والسلام، والنقاء.