حياد المنزلق.. الاحتلال والنفوذ في ميزان الفقه السياسي
يفتح بيان هيئة علماء اليمن، الصادر يوم الأحد، اعتبار الصراع الدائر في المنطقة تنافسًا بين مشروعين توسعيين، بابًا واسعًا للنقاش الفقهي والسياسي.
وتنبع أهمية هذا النقاش من طبيعة اللحظة التاريخية، حيث تتقاطع اعتبارات الاحتلال مع صراعات النفوذ الإقليمي، في مشهد مركب يتطلب قدرًا عاليًا من الدقة في التوصيف والتمييز.
وينطلق هذا النقد من مساءلة منهج القراءة الذي اعتمده البيان، ومدى اتساقه مع أصول الفقه السياسي، لا من رفض فكرة الحياد في ذاتها.
فالحياد في التراث الفقهي يرتبط بميزان العدل، ويستند إلى قاعدة راسخة في الترجيح بين المصالح والمفاسد، كما قررها علماء الأصول عند حديثهم عن تحقيق المناط وتنزيل الأحكام على الوقائع، وهي القاعدة التي تتجلى في قولهم بتقديم درء المفاسد الكبرى على جلب المصالح الصغرى.
يقيم البيان معادلة أخلاقية متساوية بين طرفين عبر وصفهما بالعدوان والظلم، في حين أن طبيعة الصراع تكشف عن تفاوت جوهري في الأصل والسياق.
فوجود الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية يمثل أساس الصراع في المنطقة، لجهة امتداده لمشروع استيطاني قائم على الإحلال السكاني واستخدام القوة المنظمة، وهو ما يندرج ضمن ما عرفه الفقهاء بباب "دفع الصائل"، حيث قرروا أن رد العدوان المباشر يتقدم على سائر الاعتبارات عند تحقق الضرر المحقق.
يقود التوصيف المتوازن في ظاهره الذي عكسه البيان، إلى اختزال الصراع في بعده التنافسي، ويضعف إدراك الفارق بين احتلال قائم بذاته وبين توظيف هذا الواقع ضمن مشاريع إقليمية.
فصعود قوى إقليمية ذات طموح توسعي جاء في سياق فراغ استراتيجي، وتراجع في أدوار الدول العربية، وهو ما أتاح تداخلًا بين دوافع المقاومة وحسابات النفوذ.
وتثير المقاربة الأخلاقية التي تضع الطرفين في مستوى واحد إشكالًا في ميزان العدالة؛ فالمساواة بين من يباشر الاحتلال ومن يوظف الصراع لتحقيق مكاسب سياسية تربك معيار التمييز بين الفعل الأصلي والفعل التابع.
وقد أشار عدد من الفقهاء إلى أن الحكم على الأفعال يتبع مقاصدها ونتائجها، وأن اعتبار المآلات يعد جزءًا من الاجتهاد المعتبر، كما قرر الإمام أبو إسحاق الشاطبي في كتابه "الموافقات" أن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، سواء وافقت أو خالفت.
يتعامل البيان مع ظاهرة المقاومة المسلحة بوصفها غطاء لمشاريع طائفية، بينما تكشف التجربة أن شرعية هذه الفصائل في الوعي العام ارتبطت بكونها الطرف الذي باشر المواجهة الميدانية مع الاحتلال.
ويمنح هذا البعد الفصائل المقاومة رصيدًا رمزيًا لا يمكن تجاوزه عند تحليل الظاهرة، حتى مع حضور ارتباطات إقليمية أو أيديولوجية.
كما أن وصف كل فصيل يقاتل الاحتلال باعتباره أداة خالصة لمشروع خارجي يختزل ظاهرة مركبة، تتداخل فيها الاعتبارات الوطنية مع المرجعيات الدينية، وتتقاطع فيها حسابات الداخل مع تأثيرات الخارج.
هذا التداخل يفرض مقاربة تحليلية تفكيكية، تأخذ في الاعتبار تعدد الدوافع بدل اختزالها في عامل واحد.
يدعو البيان إلى تجنب الانخراط في مشاريع العدوان، ويحذر من توظيف مفاهيم عقدية في سياقات سياسية جزئية. هذه الدعوة تحمل قيمة مبدئية معتبرة، غير أن اسقاطها على الواقع يحتاج إلى تحديد عملي لمسارات الفعل الممكنة.
فالموقف الذي يكتفي برفض جميع الأطراف يفتح المجال لفراغ استراتيجي، في بيئة دولية تقوم على موازين القوة ولا تعترف بالحياد المجرد، وهو ما يتوافق مع ما قرره الفقهاء في باب السياسة الشرعية من أن تقدير المصالح العامة يتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، وفي مقدمتهم الإمام ابن القيم الجوزية.
ويتناول الفقه السياسي في صيغته التقليدية حالات التوازن والاختلاف بين الدول، ويناقش أحكام الموالاة والمعاداة في سياقات متعددة. بيد أن المشهد الراهن يجمع بين احتلال مباشر وصراعات نفوذ متشابكة. وهذا يستدعي تطويرا في أدوات القراءة، مع الاستفادة من قواعد الترجيح والموازنة التي أرساها العلماء، بخاصة في باب ارتكاب أخف الضررين، وهي القاعدة التي نص عليها الأصوليون بقولهم: يُرتكب أخف الضررين لدفع أعظمهما.
يظهر في البيان تركيز واضح على مخاطر المشروع الإيراني وأدواته في المنطقة، في مقابل إشارة محدودة إلى طبيعة المشروع الصهيوني ودوره ومساعيه في إعادة تشكيل الإقليم.
ويثير هذا التفاوت في التركيز تساؤلًا حول ترتيب الأولويات في الخطاب، وحول معيار تقدير الأخطار في هذه المرحلة الدقيقة.
كما يعكس بيان هيئة علماء اليمن محاولة للتموضع في منطقة وسطى ضمن مشهد متوتر، ويعبر عن حرص على تجنب الانخراط في صراعات إقليمية معقدة.
بيد أن هذا التموضع يواجه تحديًا حقيقيًا يتعلق بقدرة الخطاب على التمييز بين درجات العدوان، وعلى تحديد موقع الأمة ضمن معادلة الصراع.
فالموقف الذي يضع جميع الأطراف في مستوى واحد، في سياق يشهد احتلالًا مباشرًا مستمرًا، يقود إلى قراءة تضعف القدرة على التمييز بين الفاعل الأصلي والفاعل المتأثر، وتنتج حيادًا يلامس حدود الانحياز في نتائجه.
هذه الإشكالية تظل محورًا مركزيًا في أية محاولة لإعادة بناء فقه سياسي قادر على التعامل مع تعقيدات الواقع المعاصر.