واحدية اليمن: إنسانًا وجغرافيا
لم يبتعد عبدالله عبدالوهاب الشماحي عن جوهر الحقيقة حين عنون كتابه بـ"اليمن: الأرض والإنسان"؛ فاليمن، في أصلها التاريخي، كيان واحد إنسانًا وجغرافيا، لا ينفصل فيه الامتداد المكاني عن الامتداد البشري، ولا يتجزأ فيه المصير عن الهوية. ومن ثم، فإن أية محاولة لتعريف اليمن خارج هذا الإطار الجامع ليست سوى قراءة مبتورة، تمليها لحظة سياسية عابرة، أو نزق ظرفي لا يصمد أمام ثقل التاريخ.

صحيح أن اليمن، عبر تاريخها الطويل، عرفت دورات من التوحد والتشظي؛ لكنها في كل أطوارها ظلت تحتفظ باسمها الجامع وكيانها الرمزي. فقد توحدت قديمًا في عهود ملوك سبأ وحمير، مثل كرب إيل وتر وشمر يهرعش، بفعل معطيات جيوسياسية، ثم عادت فتوحدت في ظل الدولة الإسلامية، وفي عصور دول كالرسوليين والصليحيين والطاهريين، وبعض مراحل حكم الأئمة، مدفوعة بوحدة العقيدة أو مركزية السلطة. كما شهدت توحدًا حديثًا مع الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، حين استعادت الدولة المركزية حضورها.
وفي المقابل، لم تخلُ مسيرتها من لحظات التمزق، نتيجة جملة من العوامل، في مقدمتها صراع النخب على السلطة والثروة، تنازع المركز والأطراف، التباين الأيديولوجي، ضعف البنية الاقتصادية، هشاشة الدولة، والتدخلات الخارجية التي اتخذت أشكال الغزو والاستعمار، فضلًا عن التورط في صراعات إقليمية ودولية.
غير أن كل هذه التحولات، على شدتها، لم تنل من حقيقة راسخة: أن الوحدة في اليمن أصل تاريخي، وأن التشظي طارئ عابر.
لقد ظل اسم اليمن حاضرًا في المدونات القديمة والوسيطة والحديثة، دالًا على الحيز الجغرافي الواقع جنوب الكعبة، أو على القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية. ولم يختلف مدلول هذا الاسم كثيرًا عبر العصور، إلا بما فرضته التحولات الجيوسياسية الحديثة. فقد أطلق الجغرافيون العرب اسم اليمن على كامل الجنوب العربي، بما في ذلك عمان، قبل أن يختزل لاحقًا في كيانات سياسية متعددة، احتفظت -تصريحًا أو تلميحًا- بجذر الاسم ومعناه، من الدولة الطاهرية، إلى المخلاف السليماني، فالمملكة المتوكلية، فالسلطنات، وصولًا إلى الجمهوريتين ثم الجمهورية اليمنية.
وتبقى هذه الجغرافيا، الممتدة من الربع الخالي شرقًا إلى البحر الأحمر غربًا، ومن نجد والحجاز شمالًا إلى خليج عدن والمحيط الهندي جنوبًا، إطارًا طبيعيًا لوطن واحد، مهما اقتطع منه أو تغيرت حدوده السياسية، كما حدث إثر حرب عام 1934.
لذلك، تظل اليمن واحدة: أرضًا وإنسانًا، هوية ومصيرًا، ثقافة ووجدانًا. قد تتعدد الكيانات، وتتباين السلطات، لكن اليمن -بما تمثله من معنى تاريخي وحضاري- تظل عصية على الإلغاء، ممتنعة على الشطب، باقية في الوعي قبل الجغرافيا، وفي التاريخ قبل السياسة.