عواف
مدريش إن كانت عادة العواف وقت العصاري مازالت باقية في هذا الزمن المليح وناسه المليحين، أو غطت عليها تقلبات أزمنة الحروب وأزمات الأحوال.. لما يكون الموسم حاصل هنا في عدن نشاهد جواري البياعين لكيزان الذرة المشوية اللي نسميها "الهند" وفناجين الشاي الملبن ونتبعه بالشاي الأحمر العصمللي مع النعناع.. ويا محسن المجلس.
زمان لما كنت جاهل صغير في بيتنا الكبير في معسكر سيداسير لاينس بخور مكسر (اللي سموه أبو عبيدة أول.. وبعدين معسكر جمال) كان أبي يتجمع عصرية كل يوم مع أصحابه من العوالق وغير العوالق في الصالون الكبير في البيت، وقال لك بالك من الهدار وتجاذب الأحاديث المرحة اللي تسلي على الخاطر وتبعد عن القلب الهم والغم.. وقال لك بال لك لما وقت الصلاة جماعة في مسجد المعسكر.. بس كان أحلى ما في تلك الجلسة العوالقية في مجملها (على فكرة مشتيش حد من العوالق يزعل مني إذا جبت لهم أصل تسمية العوالق من فين أجت ومنين اشتقت في أصلها المش متأصل ولا أصيل، بحثت في كل القواميس وسألت وعرفت ما خيب ظني يا جماعة وسامحوني في الكلمة دي لأن الجواب كان مش مليح! الجواب هو أن العوالق معناها نوع من الحشرات القبيحة التي تعلق بالجسم الآدمي وتقبصه وهي تمص دمه.. أي والله هكذا كان الجواب، واللي مش مصدقنا يدور كم ما يشتي من القواميس والمراجع). المهم كان أجمل شيء في تلك الجلسات العصرية هو العواف اللي تجهزه أمي الكريمة للضيوف، قولوا لي أيش هو داك العواف اللي كان يعجبنا كتير أوي؟ كان يا أصحابي محفوظين البقاء عبارة عن حب.. أو حبوب السبول الجهيش (الصور) اللي تعبي به الوالدة كتالي القهوة المزغول اللي على كيف العوالق وكيفي! تشرب وتأكل، ويعتبر ذا من أحلى عوافات الكرة الأرضية، حتى إنه والي عدن "السير وليم لوس"، ذات يوم، زار المعسكر، وقدمنا له مزغول مع حبوب الذرة.. فشرب 3 فناجين وطلب المزيد (صورة الوالي)، مما جعل الوالد يعرض عليه إرسال كتلي قهوة مع الجهيش أغلب الأيام، ففرح بذلك كتير.. فرح كتير قوي!
يا ريت والله أحد من أصحاب ذا الزمان يفكر في بوفيه أو كفتيريا أو كانتين أو حتى مقهاية تقدم وقت العصر قهوة مع حبوب الزنزبيل! أنا با أكون أول زبون أحسن لي من الخمير المقصقص على قولة إخواننا اللحوج.. وبايقع وينك وينك هكه يوم كان جيبي يقول واضيقي.