صنعاء 19C امطار خفيفة

العرب في ثقافة إيران: من القادسية إلى النكتة وإثارة النعرات

لايزال دور العرب في إدخال بلاد فارس في حاضرة الإسلام يُلاك في الثقافة الإيرانية بما لا يعجب.

فالثقافة الشعبية الإيرانية تصور العربي بتندر، فتظهره شخصًا بدويًا بخيلًا متخلفًا، وتتخذ من الشخصية العربية وسيلة للنكات في بعض الإنتاجات الكوميدية والكاريكاتورية بالذات، فلاتزال صورة العرب لديهم مشبعة بذكريات الفتح والهيمنة اللغوية وتجديف هويتهم، وتبرز الثقافة الإيرانية وجع الفرس من دور العرب في فتح بلاد فارس من خلال الإمعان في تصوير العرب أغرابًا غجريين بأمزجة غريبة متناقضة، فأحيانًا تظهر العربي بخيلًا أو شديد الغيرة، وأحيانًا تظهره كريمًا نبيلًا، والسخرية من العرب تظهر أكثر في النكت والاسكتشات التلفزيونية، ونادرًا في بعض الأغاني الشعبية غير الشهيرة والأمثال الشعبية الفارسية، فقد قال لي صديق موثوق عاش فترة من الزمن في إيران، إن لديهم مثلًا شعبيًا يقول: «از عصای عرب آب هرگز مخور»، وترجمته "لا تشرب قطرة ماء من قربة عربي أبدًا"، وهذا المثل الشعبي يحذر الفرس من التعامل مع العرب، باعتبار أن التعامل مع الشخص العربي غير مأمون العواقب في نظرهم.
وبعض مثقفي إيران يرددون -أحيانًا- في أحاديثهم وكتاباتهم سردية تمجد بلاد فارس ورقي أهلها في المرحلة السابقة على دخول الإسلام إلى بلادهم، وتلمح إلى أن العرب «أدخلوا» الإسلام على حساب اللغة والهوية الفارسية، وببداوتهم دمروا حضارتهم الساسانية، ففي الرواية الشعبية الإيرانية يظهر الفتح الإسلامي كـ"عبث"، لأن الفاتحين بعيون الفرس عبارة عن قبائل بدوية هدمت قصورًا لم تبنِ مثلها في التاريخ؛ في حين أن الفتح الإسلامي في الحقيقة أنهى استبدادًا طبقيًا، وأدخل بلاد فارس إلى حاضرة علمية ولدت الخوارزمي وابن سينا والبيروني وغيرهم.
وبشكل عام، فالكثير من الإيرانيين سواء المتدينون منهم أو العلمانيون، يكرهون العرب، وفي مخيلتهم أن الكثير من العرب يكرهونهم أيضًا، والجدير أن هذه الظاهرة تنتشر بين المتدينين على شاكلة لعن أهل السنة. فحقد الإيرانيين المتدينين تجاه السنة ورموزها لا ينكره أحد، وهو في واقع الأمر امتداد للحقد على العرب، وبمعنى أوضح فهو امتداد لعنصرية أكثرهم وكراهيتهم للعرب، وفي إشارة إلى الأسباب التاريخية لكره الإيرانيين للعرب يقول صادق زيبا كلام، وهو أكاديمي إيراني شيعي وأستاذ بجامعة طهران: «يبدو أننا كإيرانيين لم ننسَ بعد هزيمتنا التاريخية أمام العرب، ولم ننسَ القادسية بعد مرور 1400 عام عليها، فنخفي في أعماقنا ضغينة وحقدًا دفينين تجاه العرب، وكأنها نار تحت الرماد قد تتحول إلى لهيب كلما سنحت لها الفرصة»، وزاد في كراهيتهم للعرب وقوف العرب، وبالذات اليمنيين، في صف العراق في حربه مع إيران (1980-1988)، فكما أن أكثرية جيش القادسية من اليمنيين، ففي حرب العراق وإيران في ثمانينيات القرن الماضي، كان للمقاتلين اليمنيين مشاركة رسمية بعدد من الكتائب العسكرية في حروب السنوات الثماني، وهو ما دعا حسين بدر الدين الحوثي، وهو أحد أكبر المتشيعين للإمام الخميني، إلى أن يتنبأ للرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، رحمه الله، ومن قاتل من الضباط والجنود اليمنيين الذين قاتلوا قوات الإمام الخميني من الجيش اليمني، بعذاب شديد من الله.
الجدير أن الإيرانيين حتى اليوم يصفون من في فلكهم من أصل العرب بشيعة الشوارع، ويعتبرون اليمنيين أمة ضالة، ذلك أن في التراث الاثني عشري نصوصًا تشدد على ولاية الأئمة الاثني عشر كأصل من أصول الدين عندهم، وتصنف من ينكرها ضمن الضلال، واليمنيون كلهم بمن فيهم الزيدية لا يقولون بأصلهم هذا، ولهذا فهم في نظرهم من المغضوب عليهم الضالين، ليس ذلك فحسب، بل إن حسين بدر الدين الحوثي قد شنع بالزيدية في ملازمه الشهيرة، وقال: إنهم أكثر إجرامًا من اليهود والنصارى.
وبشكل عام، نستطيع أن نقول إن صورة العربي في الذاكرة الإيرانية لاتزال -وقد تظل إلى حين- رهينة 1400 سنة من ذكرى الفتح الإسلامي وما صاحبه من بعض الجروح (المزعومة) التي لم تصمد في حينه، فكان العبوس والحنق الذي أظهر وجوهًا عابسة منكسرة من بعضها البعض هنا وهناك.
والمؤكد أن عبوس الوجوه وانكسارها ما هو إلا تعبير ظاهري عن مكنونات نفسية وتزييف ذهني دفين في عمق الثقافة الإيرانية وامتعاض وكره معلن للعرب.
والمؤكد أيضًا وجود لا يُنكر لحسني النوايا من الجانبين لا يرون في هذا الوضع قدرًا نهائيًا بين الإيرانيين والعرب لو تخلت ولاية الفقيه عن إثم تصدير ثورتها وعن الحلم الذي بشر به الخميني بإخضاع الأمة العربية لولاية الفقيه، وباعتبار أن اللغة التي نزل بها القرآن الكريم توحد الأعاجم قبل العرب، والتاريخ يذكرنا أن الفرس (زمان) وفي فترات متقطعة خدموا الإسلام، ويرى التنويريون من الجانبين أن الخروج من شرك (نحن ضحيتهم/ هم متخلفون) ومن عقدة القادسية ووقوف العرب في صف العراق في حرب الثماني السنوات، يبدأ باعتراف متبادل بأن الهزيمة حينذاك كانت حربيةً، لا إنسانية، وأن الهوية والمصالح المشتركة اليوم تبنى بالشراكة لا بالنكاية، وهذا يقتضي التسليم بأن الولاء يقاس بالسلوك والمواقف، إذ لا يعقل أن تجد يمنيًا محترمًا يقدم طهران على صنعاء في الولاء وفي مواقف السيادة والأمن، والعكس صحيح، فلن تجد إيرانيًا محترمًا يقدم صنعاء على طهران في الولاء والسيادة والأمن، كما يقتضي التسليم بوجوب فصل جمرة الحرب والصورة المشوهة للفتح الإسلامي عن المخيلة الشعبية الإيرانية، وتنزيه مناهج مدارسهم من الصور التي تظهر فيها العرب حفاة جُلَفًا آكلي الجراد والحشرات متوحشين ومتخلفين، ولزوم قراءة السياقات المعرفية العربية الإيرانية المتبادلة قراءة ثقافية لا قراءة طائفية، وضرورة ترسيخ مفاهيم صحيحة عن فضل العرب في إدخال الفرس إلى حاضنة الدين الإسلامي الحنيف، وكيف اشتركا معًا في تكوين حضارة لاحقة اشترك فيها الجانبان، لا سيما في ظل الدولة العباسية، ولا يملك هذه المقدرة إلا الإيرانيون أنفسهم، بخاصة وأن الذهنية العربية المنصفة في غالبها لا تنكر عظمة شعب فارس وحضارته، ولا تخفي في الوقت نفسه حنقها ووجعها من نظام ولاية الفقيه في إيران الذي عليه أن يكف عن مؤاذاته لإخوانهم وجيرانهم العرب بعدم تبنيه لإثارة النعرات وتدمير البلدان العربية بزعم مناصرة قضيتهم الأم، إذ إن مناصرة القضية الفلسطينية، وهي قضية عربية بالأساس، لا تقتضي وقوف إيران بجانبها ضرورة تفكيك البلاد العربية وتدميرها، كما أن المقاومة لا تتطلب إثارة النعرات في أوساط الشعوب العربية ولا تعطيل حكوماتها، ولا لزوم لتنصيب مليشيات مسلحة تحل محل الحكومات، وتمعن في ممارسة الخراب وإثارة النزعات العصبوية والشحن الطائفي والمذهبي في أوساط الناس تحت ذريعة المقاومة أو غيرها.

الكلمات الدلالية