أزمة الانتقالي مع الجنوب!
المشكلة مع الانتقالي ليست فقط في فشله في إدارة الواقع، بل في الفكرة التي قام عليها منذ البداية.
فهو لم يتأسس ليكون إطارا جامعا لكل الجنوبيين، بقدر ما تأسس، في جزء كبير من خطابه وممارساته، على فرزهم، وتحديد من هو الجنوبي المقبول، ومن هو الجنوبي الذي يجب تخوينه أو عزله أو التحريض عليه.
ومن هنا بدأت الأزمة.
بدلا من أن تكون القضية الجنوبية مساحة تجمع الناس حول حق سياسي عادل، جرى تحويلها إلى أداة صراع داخلي، وصار الخلاف مع بعض الجنوبيين، في كثير من الأحيان، أشد من الخلاف مع خصوم القضية أنفسهم.
وكل من لم يدخل تحت عباءة الانتقالي، أو لم يردد خطابه، تم التعامل معه وكأنه خصم، أو عائق، أو مشروع خطر.
وهذه ليست طريقة بناء قضية، بل طريقة صناعة سلطة.
ثم جرى تسويق الانتقالي على مراحل متعاقبة.
مرة باعتباره ممثل الجنوب الوحيد،
ومرة باعتباره رأس الحربة ضد الإخوان،
ومرة باعتباره في مواجهة الإرهاب،
وفي كل مرة كان يتم القفز فوق السؤال الأهم:
أين الدولة؟
أين المؤسسات؟
أين القانون؟
وباسم المعركة المفتوحة، جرى تبرير تجاوز مؤسسات الدولة، وانتهاك القانون، ومصادرة المجال العام، وفرض حالة من الوصاية السياسية على الجنوب، وكأن الناس قاصرون ويحتاجون من يقرر عنهم من الوطني ومن الخائن، من الجنوبي ومن الدخيل، من المسموح له بالكلام ومن يجب إسكات صوته.
وهنا تحولت القضية من مشروع تحرر سياسي إلى مشروع نفوذ.
المشكلة الأكبر أن الانتقالي لم ينجح في إدارة التنوع الجنوبي، بل تعامل معه كعبء يجب إخضاعه، لا كحقيقة سياسية واجتماعية يجب استيعابها.
فأعاد إنتاج نفس العقل الذي أضر الجنوب عبر تاريخه:
عقل الإقصاء،
وعقل الزعامة المغلقة،
وعقل القوة التي تريد من الجميع أن يصفقوا، لا أن يشاركوا.
ولهذا تعب الناس.
عشر سنوات كانت كافية ليفهم الشارع أن الخطاب شيء، وإدارة الواقع شيء آخر.
وأن الشعارات الكبيرة لا تبني وطنا،
وأن صناعة الأصنام البشرية، والمواكب، والصور، والهتافات، لا تصنع مشروع دولة.
فالناس لم تعد تبحث عمن يصرخ أكثر،
ولا عمن يرفع السقف أكثر،
ولا عمن يوزع الاتهامات أكثر.
الناس تريد من يحترم عقولها، ويحترم حقها في الاختلاف، ويقدم لها نموذجا مختلفا عن الفشل الذي عرفته طوال عقود.
والمؤلم أن كل التجارب منذ 67 إلى اليوم تقول الشيء نفسه:
كل مرة نظن أننا ذاهبون إلى خلاص، ثم نكتشف أننا فقط نعيد تدوير نفس الأزمة، بأسماء جديدة، ووجوه جديدة، وشعارات جديدة.
مرة باسم الثورة،
ومرة باسم التحرير،
ومرة باسم التمثيل،
لكن النتيجة في كل مرة واحدة:
إقصاء،
صراع،
فساد،
وتعطيل لفكرة الوطن.
والدرس الذي يجب أن يفهمه الجميع اليوم أن الوطن ليس ملكا لفئة، ولا لجماعة، ولا لمنطقة، ولا لمكون سياسي مهما كبر أو علا صوته.
الوطن لا يقوم إلا حين يشعر كل من فيه أن له مكانا فيه، وأن كرامته وحقه ورأيه مصانة، لا أن يعيش تحت وصاية طرف يرى نفسه وحده صاحب الحق في التمثيل والتقرير.
وأي مشروع لا يتسع للجميع، سيسقط ولو بعد حين.
وأي سلطة تُبنى على التخويف، والفرز، والتعبئة، والتحريض، ستأكل نفسها في النهاية، مهما امتلكت من قوة أو دعم أو سلاح.
لكن ما نلاحظه اليوم في الشارع لا يمكن قراءته فقط باعتباره غضبا سياسيا أو رفضا شعبيا، بل هو أيضا تعبير عن حالة فراغ سياسي حقيقي.
فالحراك الموجود في جزء كبير منه حراك شعبوي، تحركه العاطفة أكثر مما يقوده الوعي، وتدفعه حالة الاحتقان أكثر مما تضبطه الرؤية.
وهذه واحدة من أخطر مشكلات الجنوب اليوم.
لأن الحراك الشعبوي، مهما بدا صاخبا أو واسع الحضور، لا ينتج وحده تحولا سياسيا حقيقيا، ولا يصنع مشروعا وطنيا قابلا للحياة، ما لم يكن تحت مظلة سياسية واعية، تقوده نخب مسؤولة، وتؤطره رؤية واضحة، وتحمله قيادة تعرف ما الذي تريده فعلا، وإلى أين يجب أن يذهب الناس.
فالجماهير يمكن أن تهتف، ويمكن أن تحتشد، ويمكن أن تغضب، لكن الغضب وحده لا يبني وطنا، والهتاف وحده لا يصنع مشروعا، والعاطفة وحدها لا تؤسس قضية قابلة للحياة والاستمرار.
ولهذا فإن أزمة الجنوب اليوم ليست فقط أزمة سلطة أو تمثيل، بل أيضا أزمة وعي سياسي، وأزمة نخب، وأزمة مشروع.
فالجنوب لا يحتاج فقط إلى من يعارض، بل إلى من يفكر.
ولا يحتاج فقط إلى من يرفع الشعارات، بل إلى من يصوغ رؤية.
ولا يحتاج فقط إلى من يستثمر الغضب، بل إلى من يحوله إلى مشروع سياسي محترم.
ومثل هذا المشروع لا يمكن أن يقوم على ردود الفعل، ولا على الانفعالات، ولا على الرغبة في تصفية الحسابات، بل على أسس واضحة تطمئن الداخل والخارج معا، وتقدم الجنوب بوصفه قضية سياسية عادلة، لا بوصفه مساحة مفتوحة للفوضى أو للثأر أو للفرز أو للصراع الأهلي المؤجل.
فالجنوب، إذا أراد أن يقدم نفسه بوصفه قضية تستحق الاحترام السياسي، يحتاج إلى مشروع وطني نظيف، لا يشوبه خلل في القيم، ولا اضطراب في المبادئ، ولا تناقض في الأخلاق السياسية والإنسانية.
مشروع يحترم الإنسان قبل الشعار، ويحترم التعدد قبل الاصطفاف، ويحترم السياسة بوصفها إدارة للتنوع، لا إدارة للخصومة.
لأن أي مشروع لا يطمئن اليمن، ولا يطمئن الإقليم، ولا يطمئن القوى السياسية في الداخل والخارج، ولا يقدم نفسه بلغة مسؤولة ومتزنة، سيبقى مجرد ضجيج مؤقت، مهما بدا مرتفعا في لحظته.
الجنوب لا يحتاج نسخة جديدة من أنظمة قديمة.
ولا يحتاج من يحتكر قضيته.
ولا يحتاج من يحول الناس إلى أتباع.
ولا يحتاج من يعيد إنتاج الماضي بأسماء جديدة.
الجنوب يحتاج مشروعا سياسيا محترما، يعترف بالتنوع، ويقبل الشراكة، ويؤمن أن الناس ليسوا جنودا في معركة مفتوحة، بل مواطنون من حقهم أن يعيشوا بكرامة، وأن يختلفوا دون أن يتحول اختلافهم إلى تهمة.
وهذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها أي خلاص حقيقي.