صنعاء 19C امطار خفيفة

أبو بكر الحضرمي ونبوءته

قبل أكثر من ثلاثين عامًا، ربما في عام 1992، وجد في شارع التعاون، بذمار، خياطًا أسمر مسنًا (ناهز الثمانين)، لا نعرف عنه سوى شيئين: أن اسمه أبو بكر، وأنه من حضرموت. كان خياطًا مرممًا لكل أنواع الأقمشة والملابس، لكن تقاليد عمله ومهارته يفصحان عن أنه كان في شبابه مصممًا مرموقًا ومفصلًا بارعًا.

عاش ومات، كشبح، في دكانه المجاور لمقهى نادي النجم. كان فمه خاليًا من الأسنان، وكأن الزمن قد وضع بصمته الملساء على حواف ماكنته. وكان المصباح الكهربائي يتدلى قريبًا جدًا من ماكنة الخياطة الكهربائية، وكوب الشاي لا يفارق المنضدة من جهة اليمين.
رافق مهارة أبو بكر عيب خطير هو الكسل والبطء الشديد، وكثيرًا ما كان يغفو في النهار وهو يعمل.
أحببت أبا بكر؛ ومن ذا الذي لا يحبه من أول حديث معه! كان حديثه راقيًا، دقيقًا، منسقًا، يضفي صوته العميق بلكنته الحضرمية مذاق السلام الوقور.
ذات يوم أعطيته بذلة جديدة ليقوم بإعادة ضبط مقاسها عليّ، وأعطيته أجره كاملًا مسبقًا (دائمًا ما كان أجره زهيدًا).
مر شهر على أخذ المقاسات. بعد شهر ذهبت إليه، ثم ذهبت إليه.. وذهبت إليه.. وأصبح الشهر شهرين وثلاثة وأربعة. وفي كل مرة أجد البذلة مقطعة لم يغرز فيها خيطًا، وجاء ذلك اليوم اللعين الذي ضقت ذرعًا فيه، فحاصرته وضيقت عليه ووقفت على رأسه. الحق أن ذلك اليوم لم يكن لعينًا، بل كنت أنا اللعين! كنت، في ذلك اليوم، قاسيًا وجلادًا نذلًا.. كان يغفو بعد كل رتق في البدلة اللعينة، وكنت كلما غفا، أصيح: "هيا يا أبو بكر".. في الأثناء شعرت لدقائق كم أنا وغد وحقير! حتى حدثت نفسي: "أقسم لو لم يكن معدمًا لكمش البدلة في يديده، وأضاف إلى الأجر ثمنها، ثم قذفها في وجهي". ورجعت أفكر: "لكن كيف سيفعل ذلك؟ إنه أبو بكر الحضرمي حتى لو كان ميسورًا، أو لم يكن خياطًا فنحن لم نره يومًا ساخطًا من شيء أو ناقمًا على أحد أو زاعلًا من أحد أو مجادلًا لأحد أو لام أحدًا، إن خلقه النبيل وتهذيبه الجم هما ما عهدناه بهما كأنهما هويته"!
كان يعتاش، فقط، من أعمال رتق بسيطة، وكنت ظالمًا حين دفعت إليه عملًا معقدًا ومجهدًا لعينيه ومرهقًا لأعصابه.
سنوات طويلة وأنا أطلب من الله العفو والمغفرة كلما تذكرت عينيه تغفوان وذقنه يلتصق بصدره وشفته السفلى متدلية، وأصابعه المتيبسة منبسطة، وعلى يمينه كوب الشاي ينتظر شربه.
كما مرت كل تلك السنوات ولم أنسَ حديثه المستبصر ونبوءته الصريحة: "في يوم ما سيكتفي العالم في نفسه من نفسه (كأنه السأم)، حتى الدول التي تملك مساحات هائلة من صحارى الجليد والرمال، لن تكون متاحة للاستيطان في يوم ما. في المستقبل لن يكون هناك لجوء ولا نزوح جماعي بين الدول مهما كانت الأسباب، بل ستنكفئ كل دول العالم على نفسها وكأنها مجتمعات مغلقة. وإذا ما حلت كارثة ما في دولة ما وتسببت في معاناة سكانها وهددت حياتهم وبقاءهم ووجودهم، فإن جميع الأمم ستلتزم بالتعاون لتفعل كل ما من شأنه إنهاء تلك المعاناة، لكن لا يمكن أن يكون من بينها استضافتهم في دولهم (لكأنهم موبوؤون). لن يكون هنالك توطين ولا تجنيس لأحد، فقط استقبال (الآخر) في إطار واحد هو السياحة (بأنواعها) وبشروط مشددة".
ذلك ما قاله أبو بكر، رحمه الله، ولم أزد عليه إلا ما بين الأقواس والتلاعب البلاغي.
وها هي شواهد وإرهاصات نبوءتك يا أبا بكر قد بدأت تظهر:
- شعبويات السياسة في أوروبا وأمريكا.
- أشكال العنصرية والتمييز حاضرة في الفعل اليومي.
- تنامي الشعور، في المجتمعات الأوروبية، بانحسار ثقافتهم وتراجع قيمهم أمام ثقافة وقيم المهاجرين؛ والقلق، بوجه خاص، من ثقافة وقيم المسلمين.
- قرارات التخلص من المهاجرين ومشاريعها وعدم استقبالهم، كما هو حاصل في أمريكا والسويد وألمانيا والنرويج وبريطانيا وسويسرا.
- تناقص البسيطة وقلة الموارد.
- تنامي تطبيقات الذكاء الاصطناعي والمستقبل الواعد لأدوار الروبوتات وبرامج توقع السلوك.. كل ذلك سيعيد تعريف الإنسان، ويعيد كتابة حقوقه وقوانينه. لكن قبل هذا سيتم تكنيس الشوارع والمقاهي والقصور من كل من لا يشبههم.
- الشرخ الاقتصادي المتصاعد لفصل سكان الكوكب إلى قسمين: عدة دول منعمة مقابل أكثرية دول موبوءة بكل شيء.
- تلاشي مفهوم الضمير الدولي والتحلل من التزاماته الحقوقية والأخلاقية ليحل محلها علاقات دولية جديدة كمثل (المؤخرة ومن يقبلها)، مالك المعرفة والعبد الثري، المال مقابل القرار، "قصر السلاح" و"بيادر الجوع".
كما يعلم الله ما ستضيفه الأيام من شواهد!

الكلمات الدلالية