صنعاء 19C امطار خفيفة

أرتميس 2: عودة البشر إلى درب القمر بعد أكثر من نصف قرن

أرتميس 2: عودة البشر إلى درب القمر بعد أكثر من نصف قرن
طاقم المهمة "أرتميس 2" وفي الخلفية صاروخ سبيس لونش سيستم (SLS) ــ رويترز

دخلت مهمة Artemis II مرحلة مفصلية أعادت إلى الأذهان زمن الرحلات القمرية، لكن بروح علمية وتكنولوجية مختلفة تمامًا. ففي مطلع أبريل 2026، نجحت وكالة ناسا في إطلاق الصاروخ العملاق SLS حاملًا المركبة Orion وعلى متنها أربعة رواد فضاء، ثم أُعلن خلال اليوم التالي نجاح مناورة الحقن نحو القمر، وهي اللحظة التي تغادر فيها المركبة مدار الأرض لتدخل مسارًا محسوبًا بدقة نحو القمر. بهذا الحدث، أصبحت هذه أول رحلة مأهولة تغادر المدار الأرضي باتجاه القمر منذ مهمة Apollo 17 عام 1972.

هذه الرحلة ليست هبوطًا على سطح القمر، بل تمثل اختبارًا مأهولًا شاملًا لكل الأنظمة التي ستُستخدم لاحقًا في الهبوط الفعلي. الهدف هو التأكد من كفاءة الصاروخ، والمركبة، وأنظمة دعم الحياة، والملاحة في الفضاء العميق، والاتصالات، إضافة إلى اختبار العودة عالية السرعة إلى الأرض. تستمر المهمة قرابة عشرة أيام، تتضمن دورانًا أوليًا حول الأرض، ثم رحلة تمتد عدة أيام نحو القمر، يعقبها مرور قريب منه، قبل العودة إلى الأرض عبر ما يُعرف بـالمسار الحر الذي يسمح للجاذبية بإعادة المركبة بأمان.
المركبة Orion تمثل محور هذه المهمة. وهي ليست مجرد كبسولة تقليدية، بل منظومة متكاملة تتكون من وحدة الطاقم، ونظام الهروب أثناء الإطلاق، ووحدة الخدمة الأوروبية التي توفر الدفع والطاقة. تحتوي هذه الوحدة على 33 محركًا موزعة بين محرك رئيسي للمناورات الكبرى، ومحركات مساعدة وتصحيحية، وأخرى للتحكم الدقيق بالاتجاه. كما تعتمد المركبة على ألواح شمسية لتوليد الطاقة، وأنظمة متطورة لتوفير الهواء والماء وتنظيم الحرارة.
أحد أكبر التحديات التقنية يتمثل في العودة إلى الأرض. فالمركبة تعود بسرعة تقارب 40 ألف كيلومتر في الساعة، ما يفرض ظروفًا حرارية قاسية. ولهذا زُودت بدرع حراري بقطر يقارب 5 أمتار، قادر على تحمل درجات حرارة تصل إلى نحو 2750 درجة مئوية. هذه الأرقام وحدها تكشف حجم التعقيد الهندسي المطلوب لإعادة البشر سالمين من الفضاء العميق.
لكن لماذا العودة الآن إلى القمر بعد انقطاع استمر أكثر من 53 عامًا؟
الإجابة تكمن في تحول النظرة إلى القمر من هدف سياسي إلى منصة استراتيجية طويلة الأمد. فالقمر اليوم يُنظر إليه كمختبر علمي، ومصدر محتمل للموارد، ومحطة انطلاق نحو المريخ. وتتركز الأهمية بشكل خاص في القطب الجنوبي للقمر، حيث تشير الدراسات إلى وجود جليد مائي في مناطق مظللة دائمًا، وهو مورد حاسم لدعم الحياة وإنتاج الوقود مستقبلًا.
لهذا، لا تهدف أرتميس 2 فقط إلى إعادة البشر إلى محيط القمر، بل إلى تأسيس مرحلة جديدة من الاستكشاف المستدام. تتضمن المهمة أيضًا تجارب علمية لدراسة تأثير الفضاء العميق على جسم الإنسان، بما في ذلك التعرض للإشعاع، والتغيرات في الجهاز المناعي، والنوم، والإجهاد. كما سيقوم الطاقم بعمليات رصد علمي لسطح القمر لدعم المهمات القادمة.
ما بعد أرتميس 2 يبدو أكثر طموحًا. تخطط ناسا لإرسال مهمات لاحقة تشمل اختبارات الالتحام في المدار، ثم تنفيذ أول هبوط بشري قرب القطب الجنوبي للقمر، مع هدف بعيد يتمثل في إنشاء وجود بشري شبه دائم. هذا التدرج يعكس تحولًا من "رحلات استكشافية" إلى بنية تشغيلية مستمرة خارج الأرض.
في المقابل، يتصاعد سباق فضائي جديد، هذه المرة بين الولايات المتحدة والصين. فالصين تعمل على برنامج طموح يهدف إلى إرسال رواد فضاء إلى القمر قبل عام 2030، مع خطة تعتمد على إطلاقات مزدوجة والالتحام في المدار القمري، إضافة إلى مشروع لإنشاء محطة أبحاث قمرية دولية بحلول منتصف الثلاثينيات. المنافسة لم تعد رمزية، بل أصبحت سباقًا على الوجود طويل الأمد والسيطرة العلمية والتكنولوجية.
أما من الناحية العلمية، فإن الوصول إلى القمر ليس مجرد توجيه مركبة نحوه، بل هو مسألة حسابية دقيقة للغاية. فالمركبة لا تتجه إلى موقع القمر الحالي، بل إلى موقعه المستقبلي عند الوصول، مع أخذ تأثير جاذبية الأرض والقمر وزمن الرحلة بعين الاعتبار. ويتم تصحيح المسار خلال الرحلة باستخدام محركات صغيرة لضمان الوصول الدقيق. هذه الحسابات تمثل أحد أكثر جوانب الرحلة تعقيدًا، وتعتمد على نماذج رياضية متقدمة في ميكانيكا المدارات.
في المحصلة، تمثل أرتميس 2 نقطة تحول حقيقية. فهي ليست مجرد رحلة اختبار، بل خطوة أولى نحو إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالفضاء. النجاح في هذه المهمة يعني أن العودة إلى القمر لم تعد فكرة، بل مشروعًا قائمًا، قد يقود خلال العقد القادم إلى وجود بشري دائم خارج كوكب الأرض.

الكلمات الدلالية