صنعاء 19C امطار خفيفة

بين التاريخ والسياسة: كيف استمر الانقسام السني–الشيعي؟

منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، وُلد الانقسام بين السنة والشيعة في سياق سياسي بالأساس، قبل أن يتخذ مع مرور الزمن أبعادًا عقائدية وهوياتية عميقة. غير أن هذا الانقسام، الذي بدأ كخلاف حول أحقية القيادة بعد وفاة النبي محمد ﷺ، لم يبقَ حبيس التاريخ، بل تحوّل عبر القرون إلى أحد أكثر خطوط التوتر تأثيرًا في العالم الإسلامي.


اليوم، لا يمكن فهم هذا الانقسام بمعزل عن تداخل معقد بين الدين والسياسة، بين الداخل والخارج، وبين العوامل التاريخية والراهنة. فهل هو صراع ديني خالص؟ أم أنه أداة سياسية تم توظيفها مرارًا؟ أم هو مزيج من الاثنين؟

الجذور: من الخلاف السياسي إلى الهوية المذهبية

في بدايته، كان الخلاف حول من يتولى قيادة الأمة:
فريق رأى أن الأمر شورى بين المسلمين (ما أصبح لاحقًا "السنة")
وفريق رأى أن القيادة حق لأهل بيت النبي (ما أصبح "الشيعة").
ومع مرور الزمن، تراكمت الخلافات الفقهية والعقدية، وتطورت مدارس فكرية متمايزة، حتى أصبحت الهوية المذهبية جزءًا من البنية الاجتماعية والسياسية لمجتمعات واسعة.
لكن من المهم التأكيد أن هذا الانقسام لم يكن دائمًا صراعيًا؛ فقد شهدت فترات طويلة من التاريخ الإسلامي تعايشًا نسبيًا، بل وتعاونًا علميًا وثقافيًا.

تحول الصراع: حين تدخلت السياسة بقوة

مع قيام الدول والإمبراطوريات، بدأ توظيف الانتماء المذهبي كأداة للشرعية السياسية.
ومن أبرز الأمثلة:
الصراع بين الدولة الصفوية (الشيعية) والدولة العثمانية (السنية)
استخدام الهوية المذهبية لتعبئة الجيوش وتعزيز الولاء.
هنا، لم يعد الخلاف مجرد اختلاف فكري، بل أصبح أداة تعبئة وصراع على النفوذ.

القرن العشرون: إعادة تشكيل الانقسام

في العصر الحديث، ومع انهيار الدولة العثمانية وصعود الدول القومية، دخل العامل الخارجي بقوة.
القوى الكبرى، سواء الاستعمارية أو الدولية لاحقًا، وجدت في الانقسامات الداخلية بيئة قابلة للاستثمار.
ليس من الدقة اختزال كل ما جرى في "مؤامرة"، لكن من الثابت تاريخيًا أن القوى الكبرى:
استفادت من الانقسامات الداخلية
دعمت أطرافًا على حساب أخرى وفق مصالحها
أعادت رسم خرائط سياسية لم تراعِ دائمًا التوازنات الاجتماعية.

إيران، العراق، ولبنان: أمثلة على التداخل المعقد

الثورة الإيرانية (1979):
أعادت هذه الثورة إحياء البعد السياسي للهوية الشيعية، وأدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من الاستقطاب.
الحرب العراقية -الإيرانية (1980-1988):
لم تكن حربًا مذهبية خالصة، لكنها استُخدمت فيها اللغة الطائفية لتعبئة الداخل، ما عمّق الانقسام.
لبنان والعراق:
تحوّلت الطائفية إلى إطار لتقاسم السلطة، لكن ذلك أدى في كثير من الأحيان إلى:
تعزيز الانقسام بدل تجاوزه
ترسيخ الولاءات الطائفية على حساب المواطنة.

هل القوى الكبرى تصنع الانقسام أم تستثمر فيه؟

من التحليل الواقعي، يبدو أن الإجابة الأقرب هي: الاستثمار أكثر من الصنع.
فالقوى الخارجية لا تخلق الانقسامات من العدم، لكنها:
تستغلها
تعمّقها
تعيد توجيهها بما يخدم مصالحها.
وهذا ما يجعل المسؤولية مشتركة:
داخلية: في إدارة الخلافات
وخارجية: في استغلالها.

ديناميكيات "القبضتين": منطق إدارة الصراع

استخدام قبضتين (مثلًا سنة وشيعة) تسهل عملية التحكم بالمجتمع أو الشعوب المراد السيطرة عليها بنفس قبضتي القدر لسهولة إنضاج الطبخة.
خلق أو تغذية توازن هش بين أطراف متصارعة، بحيث يبقى كل طرف محتاجًا للدعم الخارجي.
هذا النمط يؤدي إلى:
إدامة الصراع بدل حله
إضعاف المجتمعات
تحويلها إلى ساحات نفوذ.
لكن هذا النموذج لا ينجح إلا عندما تتوفر بيئة داخلية قابلة للاختراق:
انعدام الثقة، ضعف المؤسسات، وغياب العدالة.

العامل الحاسم: الداخل قبل الخارج

رغم أهمية العوامل الدولية، فإن العامل الداخلي يبقى الأكثر تأثيرًا.
فالمجتمعات التي:
تمتلك مؤسسات قوية
وتحقق العدالة
وتدير التنوع بشكل منصف
تكون أقل عرضة للاستغلال الخارجي.
في المقابل، عندما:
تُهمّش فئات معينة
أو يُستخدم الدين في الصراع السياسي
أو تغيب دولة القانون
فإن الانقسام يتحول إلى وقود دائم للصراع.

نحو الحل: هل من مخرج واقعي؟

الحلول لا تأتي من إنكار الخلاف، بل من إدارته. ويمكن تلخيص أبرز المسارات في:
1. ترسيخ مبدأ المواطنة:
الانتقال من الانتماء الطائفي إلى الانتماء الوطني الفعلي.
2. بناء مؤسسات قوية:
مؤسسات تقوم على الكفاءة لا المحاصصة والولاء.
3. تحقيق العدالة:
لأن الظلم هو الوقود الأساسي للصراعات الطائفية.
4. النأي بالدين عن الصراع السياسي:
عدم استخدام الدين كأداة تعبئة أو إقصاء.
5. إدارة التنوع بدل إنكاره:
الاعتراف بالاختلاف وتنظيمه ضمن إطار قانوني عادل.

خاتمة: الدرس الذي لم يُستوعب بعد

الانقسام السني -الشيعي ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة تاريخ طويل من التراكمات، وسوء الإدارة، والتوظيف السياسي.
القوى الكبرى قد تستفيد من هذا الانقسام، لكن استمراره لا يمكن تفسيره بها وحدها.
فالمشكلة في جوهرها تبدأ من الداخل، وكذلك الحل.
السؤال الحقيقي ليس:
من المسؤول؟
بل:
هل يمكن تحويل هذا التنوع من مصدر صراع إلى مصدر قوة؟
الإجابة لاتزال مفتوحة.. لكنها تبدأ من الاعتراف بأن إدارة الاختلاف أهم من الانتصار فيه.

الكلمات الدلالية