صنعاء 19C امطار خفيفة

حديث الجهويات: إلى أين؟

التاريخ لا تستحضره الشياطين؛ التاريخ، سواء بأبهى صوره أو بأبشعها، تستحضره وقائع على الأرض وصراعات قوى داخلية وخارجية، واختلال توازنات تُلغي توافقًا وطنيًا سائدًا، مبنيًا على تفاهمات تاريخية لم تأتِ من فراغ، ولكنها تعبير عن توازن مصالح وحقوق مشتركة، يصونها تعبير سياسي يعلو أفق الانتماءات الضيقة، أيًّا كانت، عبر إطار وطني جامع.

الدولة مفهوم لا يُلغي ولا يتجاوز ولا يتعسف توازن مصالح الجمع الوطني بأكمل صورة؛ وذاك هو المفترض. وإن اختلّت بعض القواعد والموازين، يفترض أن تظل مظلة الوطن هي الجامع الوحيد، خوفًا من تمزق روابط النسيج الاجتماعي المؤتلف تاريخيًا عبر تعابيره الثقافية والاجتماعية، وضمان الحقوق الاقتصادية كافة، التي يحرص الجمع الوطني عليها.
إن هذا الإطار الجامع، بمتانته وتماسكه، هو القوة المانعة التي تحول دون تمكن أي تهديدات داخلية، من قبل أي طرف أو مكوّن منفردًا، أو عبر قوى خارجية، من النفاذ والشروع في ضرب مكامن قوة وترابط الانتماء الوطني. ولا تتمكن تلك التهديدات إلا إذا توافر لها مناخ لا وطني تتسلل من خلاله، لتبدأ الأطراف—كلٌّ يبحث عن مصالحه الخاصة—في البحث عن التعبير الأدنى من الكيان الوطني الجامع، أي الدولة الوطنية.
هذا المفهوم الجامع تعمّدت جملة من عوامل التصدع والاستلاب توجيه الضربات إليه تلو الأخرى، عبر خلخلة مؤسساته وإضعاف هيبته، مع التوجه لدعم نفوذ ومصالح أطراف بعينها، مما يشعل فتيل التناقضات بين أبناء الوطن الواحد، مع العمل على تغييب هيبة ومكانة القانون، بوصفه الحامي الوحيد للمصالح المجتمعية.
رحلة الدولة الوطنية في بلادنا، بمعناها الحقيقي، حديثة النشأة، ومع ذلك وُجّهت لها الضربات مع انطلاقات ثورتي سبتمبر وأكتوبر، والأمر معروف لدى الجميع؛ إذ إن كيان الدولة، بمعناه الجامع الوطني، المُدار عبر دستور وقانون ومؤسسات، لم يكن ولا يزال مستساغًا في بيئة يمنية—شمالًا وجنوبًا—وأيضًا لدى محيط إقليمي تشكّل تاريخيًا بما يعكس بنيات قبلية وعائلية ومشيخية، وإن أُعيد تصميمها لتتوافق مع النظرة المستقبلية للعلاقات مع الدول التي لعبت الدور الأساس في تكوين مشيخات الخليج.
لتظل العلاقات الحاكمة للمصالح قائمة على يقينيات: أهمية الموقع أولًا، ووجود مصادر الطاقة ثانيًا، وبقاء المنطقة—ثالثًا ورابعًا—رافدًا ماليًا لفوائض تتجه وجهتها النهائية إلى أوروبا وأمريكا. إن مفهوم الدولة الوطنية في هذه المنطقة تحديدًا، وتعزيز مركزها القانوني وقوة مؤسساتها، لم يكن مستساغًا، ولا يزال كذلك؛ لذا ظلت مآلاتها إما للانقلابات العسكرية أو الاضطرابات المجتمعية.
ولعل مرحلة القضاء شبه الرسمي على مكانة الدولة الوطنية قد تمثلت فيما سُمّي بثورات الربيع العربي، وكان تعبيرها الفج في بلادنا واضحًا. على أنه من الضرورة بمكان التأكيد على أن سياسة ضرب أي بروز لمكانة وقوة الدولة الوطنية قد شهدتها المرحلة الوطنية في مصر، ولا تزال، وهذا أمر يجد تفسيره السياسي المرتبط بقيام الكيان الصهيوني واستمرار بقائه، على قاعدة إضعاف وتشتيت الدولة ومؤسساتها، وهو—للأسف—ما نعيشه.
وهنا أعرّج إلى قضية وطنية تخصنا نحن اليمنيين خلال هذه المرحلة الخطيرة، التي تدمرت فيها أسس وهياكل الدولة الوطنية؛ إذ، للأسف، وجدنا أنفسنا نسير في الاتجاه الخطأ. لم نرَ الجهود الحقيقية من رواد الحركة السياسية والثقافية تنصبّ لمواجهة عناصر تأكل مفهوم الدولة الوطنية، وأهمية—بل وضرورة—التأكيد على مفهوم الاصطفاف الوطني وتعميقه ضمن برامج عمل سياسية، عبر كيانات ومؤسسات وطنية الطابع والتكوين.
للأسف الشديد، وجدنا على الأرض مظاهر تساعد على تشتت الجمع الوطني، تمثلت فيما يلي:
مؤسسات السياسة وأحزابها تتمزق وتسير تابعة على استحياء.
تعمّد إضعاف، بل وإلغاء، مكانة ودور المؤسسات النقابية ذات البعد التاريخي النضالي.
تحوّل الثقافة والإعلام—للأسف—إلى خدمة الاتجاهات الجهوية أو ذات الطابع العرقي والمذهبي؛ ولعل ما نشهده من تزايد الدعوات إلى تكوين كيانات جهوية، تتلبّس رداءً لا وطنيًا، يدفع باتجاه إنشاء مكونات هنا وهناك، تحت عباءات ضيقة في حدود القرية أو المنطقة، وهلمّ جرًّا.
وللإنصاف، فإن عامل السلب هنا لا يُلقى على كاهل هذا المكوّن أو ذاك، الذي اختصر المسألة وقرأها بعيون ضيقة ترى البقعة ولا ترى المحيط الوطني المأزوم، تحت طائلة غياب—بل تغييب—مفهوم ودور ومتانة الدولة الوطنية ومؤسساتها الجامعة، الحامية لمصالح الجمع الوطني كله.
لا نلوم أحدًا بعينه، لكننا نلوم الكل الغارق في منتجع النوم اللذيذ، وفي منتجع الاغتراب، بعيدًا عن وطن يغرق ويتمزق، تحت مفاهيم غادرناها قبل عقود، وإذا بنا نعود القهقرى لنسمع ما هو ألعن وأرعن وأسخف وأسوأ مما ساد منذ عقود مضت.

الكلمات الدلالية