المعلق العصري
كنا صغارًا عندما اكتشفنا أنه يمكن متابعة مباريات كرة القدم "من بعيد" بواسطة حاسة أخرى من الحواس الخمس، وهي الأذن بدلًا من العين.
وكان الصوت الذي حمل لنا هذه الهدية من بعيد، هو صوت المعلق
"علي العصري"، وكان لهذا الحدث أثر كبير في نفوسنا في تلك المرحلة المبكرة من حياتنا.
وقد ترك ذلك الصوت أثرًا كبيرًا في وجداننا، لأنه الأول، ولروعته وتكرار سماعه لأكثر من مرة في الاسبوع الواحد.
كونه ظهر في موسم رياضي استثنائي مكثف، هو الدوري التصنيفي الذي شارك فيه 32 فريقًا من كافة محافظات الجمهورية
"العربية اليمنية"، لأول مرة.

وكان علي العصري بما قدم من جهد وإبداع وتميز، هو نجم الموسم، وأشهر المشاهير.
كنا نتابع المباريات عبر أثير الإذاعة، والعصري يقدم وصفًا تفصيليًا دقيقًا ومدهشًا لما يحدث في أرضية الملعب، وحتى المدرجات، و"يعيشنا الجو" كما يقال، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وكم كان رائعًا وهو يقرب لنا الفكرة، ويخبرنا بضرورة تقسيم الملعب إلى 8 مربعات 1، 2، 3، 4 في النصف الذي يقع على يمين المنصة، و5، 6، 7، 8 على يمينها. وقد كنا بالفعل نرسم تلك المربعات على الورة، ونتابع أحداث اللقاء، وعيوننا على الورق، كأنه تلفاز، والعصري يخبرنا أن الكرة بحوزة لاعب الفريق الفلاني فلان في المربع رقم كذا، فندرك من خلال الوصف والرسم خطورة الهجمة من عدمها.
كان يغيب صوت علي العصري في بعض المباريات كليًا أو جزئيًا، ويحل محله معلق مصري اسمه "أحمد عبدالحميد"، وكان متميزًا هو الآخر.
وكنا نتساءل عن أسباب غياب صوت المعلق العصري الذي فتنّا بطريقة تعليقه ووصفه ونبرات صوته ومصطلحاته ولغة خطابه عن التعليق على هذه المباريات، فأخبرنا من يكبروننا سنًا أن المعلق العصري هو في الوقت نفسه لاعب مهم وأساسي في صفوف فريق وحدة صنعاء، وأن صوته يغيب عندما يتواجد كلاعب في أرض الملعب يدافع عن ألوان فريقه الأزرق.
كنا مجموعة من الطلبة جاؤوا من القرية للدراسة في مدينة إب، نعيش في بيت إيجار "بيت الكريمي" في حارة "الجبانة"، وكان على بعد أمتار قليلة من السكن يقع بيت الشباب الذي ينزل فيه ضيوف المحافظة من الشباب والفرق الرياضية، ولا يفصل بيننا وبين ببت الشباب إلا مسجد الوشاح، وكان أمام بيت الشباب ساحة صغيرة كنا نلعب فيها كرة قدم بشكل متقطع.
وعندما حل فريق وحدة صنعاء ضيفًا على إب، ونزل في بيت الشباب، قبلما يخوض مباراته الحاسمة ضد شعب إب الذي نافس الوحدة يومها على الترتيب الثاني، حتى آخر مباراة في الموسم "بعد فريق الجيل البطل".
يومها تعمدت التواجد في تلك الساعة بمبرر لعب الكرة، وأنا في الواقع ذاهب لرؤية نجم الموسم المعلق لا اللاعب علي العصري، ووجدت من دلني عليه وسط مجموعة من العمالقة والأسماء الكبيرة في كرة القدم.
سلمت عليه، وعبرت له عن إعجابي، فرد بصوته المألوف التحية بأحسن منها.
حينها تمنيت توثيق اللحظة، لكن كيف ومن أين وبماذا؟
في أيام نقل المباريات إذاعيًا كنا نبدأ المذاكرة في وقت مبكر حتى يسمح لنا الكبار بمتابعة المباريات المنقولة إذاعيًا بصوت المعلق الفذ علي العصري، وكان وهو يعلق على مباراة صنعاء يحرص على متابعة أخبار المباريات المقامة في بقية المحافظات، فهل كان هذا يكفي ويشبع فضولنا؟ لا، فقد كنا في المساء ننتظر النشرة الرياضية من إذاعة صنعاء، بصوت علي العصري.
وبعد عصر كل يوم ثلاثاء كنا ننتظر بلهفة وشوق البرنامج الرياضي الإذاعي الذي يعده ويقدمه علي العصري أيضًا.
وحين يحين موعد البرنامج نتبادل النظرات من تحت الكتب المفتوحة بأيدينا، وكل واحد يقول للآخر وقته! فيقول وقته، فنتوقف عن المذاكرة، ونتابع البرنامج. ويوم الأربعاء ننتظر بنفس اللهفة والشوق إعادة البرنامج الذي سمعناه يوم الثلاثاء.
وبعدما تم تعميم بث تليفزيون صنعاء على بقية المحافظات، كنا نتابع تعليق العصري وتقديمه للنشرات الرياضية اليومية وبرنامجه الأسبوعي عبر إذاعة صنعاء ونشراته الرياضية وبرنامجه الرياضي الأسبوعي عبر تليفزيون صنعاء بنفس الشغف واللهفة، ولا نشعر بأي تكرار.
وبهذا الشكل أصبح صوت العصري يمثل في حياتنا شيئًا مهمًا يقدم المتعة والخبر والمعلومة والطرفة والتنافس الجميل والأخبار الرياضية المحلية والعالمية.
وعندما انتقلنا إلى صنعاء للدراسة الجامعية -كانت الجامعة الوحيدة في البلد- كنا نحضر المباريات في ملعب الظرافي، ونشعر أن هناك شيئًا ينقص المباريات، ألا وهو صوت علي العصري.
فكنا نتعمد الجلوس إلى جوار أشخاص يحملون معهم إلى الملعب أجهزة الراديو ليسمعوا ويروا في آن.
ومع الأيام أثبت علي العصري أنه ليس فقط صوتًا محليًا لا يتجاوز الحدود الجغرافية للبلد، وإنما هو صوت عربي مسموع ومرغوب من الماء إلى الماء عبر اتحاد الإذاعات العربية الذي كان يمنح العصري الفرص العديدة للتعليق على المنافسات العربية لكل القنوات العربية في وقت واحد.
ومثلما مثلت نهائيات كأس العالم 86، الفرصة لظهور نجوم كبار في سماء الكرة العالمية، فقد أظهرت أن علي العصري نجم عالمي في سماء التعليق الرياضي، حين أسندت إليه مهمة التعليق على مباريات نهائيات كأس العالم في البطولة التي تسيدها العظيم مارادونا في الملعب، وتسيدها العصري من خلف مايكرفون التعليق.
حيث تمكن وهو ينقل المباريات من استديوهات تليفزيون صنعاء، من تقمص شخصية المعلق الذي يتواجد على بعد أمتار من المستطيل الأخضر، وينقل المباريات بإحساس متميز وتفاعل ممتاز، ويزداد تألقًا كلما زادت حدة المنافسة واقترب الحسم.
فظهر في المباراة النهائية بمستوى مدهش وقدرات عظيمة وحضور غير مسبوق، ففاز مارادونا بالكأس،
وفاز العصري بإعجاب الملايين.