صنعاء 19C امطار خفيفة

حين تحوّلت المعركة من إسقاط النظام إلى تمزيق المجتمع

مشكلتنا الحقيقية ليست بنت اللحظة، ولا هي مجرد خلاف سياسي عابر. مشكلتنا أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تعود إلى اللحظة التي قررت فيها القوى الاستعمارية أن تحاصر كل مشروع وعي عربي حر، وأن تضرب كل بؤرة يمكن أن تتحول إلى مركز نهضة أو مقاومة أو وحدة.

وكانت عدن واحدة من أخطر تلك البؤر في نظر المستعمر.
عدن لم تكن مجرد مدينة أو ميناء أو مساحة جغرافية عابرة، بل كانت وعيًا سياسيًا وقوميًا مبكرًا، تشكلت فيها أفكار التحرر والوحدة والنهضة العربية منذ وقت مبكر، ولهذا لم يكن غريبًا أن تسعى بريطانيا إلى تفكيك محيطها السياسي والوجداني، وأن تعيد تشكيلها ضمن مشروع "الجنوب العربي" ككيان وظيفي، لا كحاضنة مشروع وطني حر.
ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف عملية إعادة هندسة المنطقة، لا في الجغرافيا فقط، بل في العقول والأنظمة والأدوات.
في الشمال، تشكلت أنظمة وظيفية خدمت التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما خدمت اليمنيين. وفي الجنوب أيضًا، ظل الخارج يعيد ترتيب المشهد بما يضمن ألا تقوم دولة وطنية حقيقية، بل كيانات مضبوطة الإيقاع، تتحرك ضمن السقف المرسوم لها.
وعندما انفجرت القضية الجنوبية بعد 1994، لم تكن في بدايتها قضية كراهية، ولا قضية ثأر مناطقي، ولا مشروعًا لتقسيم الناس نفسيًا واجتماعيًا. كانت في جوهرها صرخة عدالة ضد منظومة سياسية هيمنت وأقصت ونهبت وأفسدت.
لكن ما حدث لاحقًا كان خطيرًا جدًا.
عندما بدأت هذه القضية تلامس عمق النظام وتُهدد بنيته، وعندما التقت مع موجة الغضب الشعبي التي صنعت لاحقًا الربيع العربي، شعرت القوى المستفيدة من بقاء النظام بالخطر، فبدأت تعمل لا على إسقاطه، بل على إعادة إنتاجه.
وهنا بدأ أخطر سلاح يُستخدم ضد الناس: الإعلام الموجَّه.
تم تشكيل صحف، ومواقع، ومنصات، وخطابات، وموجات رأي عام، لم يكن هدفها دعم الحقيقة، بل تحريف طبيعة الصراع. فبدلًا من أن يبقى الصراع بين الشعب ومنظومة الفساد والاستبداد، جرى تحويله إلى صراع شمال/جنوب، ثم إلى صراعات مناطقية وجهوية، ثم إلى ثقافة كراهية وعنصرية مزروعة بعناية داخل المجتمع.
وهذه ليست نظرية، بل تجربة عاشها كثيرون منا عن قرب.
كنا نرى كيف تُدار المساحات، وكيف يُصنع الخطاب، وكيف تُفتح المنابر لبعض الأصوات، وكيف تُقمع أصوات أخرى، وكيف كانت بعض الأجهزة الاستخبارية والأمنية تتحرك بوضوح داخل المنتديات، والمنابر، والإعلام، لتوجيه المزاج العام نحو الانقسام بدل الوعي، ونحو التحريض بدل التحرر.
والأخطر من كل ذلك، أن كثيرًا من الأدوات التي صُنعت يومها لبث الكراهية، جرى لاحقًا تبييضها وإعادة تدويرها، ثم تقديمها للناس اليوم بوصفها "أصواتًا جنوبية" أو "مناضلين" أو "حماة للقضية".
وهنا كانت الكارثة.
لأن القضية التي بدأت كقضية عدالة وحقوق، جرى اختراقها من الداخل، لا عبر إسقاطها مباشرة، بل عبر تلويثها، وتحويلها إلى وعاء تعبئة عاطفية، ومجال للمزايدات، ومنصة لإعادة إنتاج نفس العقلية التي ثار الناس ضدها أصلًا.
وهكذا انتقلنا من مواجهة منظومة سياسية ظالمة، إلى الغرق في مواجهة بعضنا البعض.
فصارت الكراهية تُقدَّم على أنها وعي، والعنصرية على أنها هوية، والانفعال على أنه موقف، والضجيج على أنه نضال.
وفي هذا المناخ، تم قتل القيم، وتشويه المبادئ، وسحق الأخلاقيات، وتحويل القضايا العادلة إلى أدوات بيد مشاريع غير عادلة. ورأينا كيف خرجت إلى السطح ممارسات مثل اغتيال كل فكر مختلف وكل تنوع سياسي وفتحت السجون السرية، و تم ممارسات شتى الانتهاكات، وتكميم الأصوات، وكلها أمور لا تبني وطنًا، بل تقتل أي فرصة لقيام وطن.
اليوم، نحن لا نزال نواجه نفس المعركة، وإن اختلفت الأسماء والشعارات.
فنفس القوى التي لا تريد للشمال أن يستقر، لا تريد للجنوب أن يستقر. ونفس الجهات التي لا تسمح بقيام دولة حقيقية في صنعاء، لن تسمح بقيام دولة حقيقية في عدن. لأنها ببساطة تعرف أن الدولة هي العدو الأول لكل مشاريع الفوضى والاختراق والارتهان.
ولهذا، ستستمر جرعات التحشيد العاطفي، وسيظل الحماس غير الواعي يُستخدم كوقود، وسيبقى الناس يُدفعون من أزمة إلى أزمة، ومن نكبة إلى نكبة، طالما لم يستعيدوا وعيهم الحقيقي.
الخلاص لن يأتي من إعادة تدوير الأدوات نفسها، ولا من تعظيم الأشخاص، ولا من مزيد من الشحن والكراهية.
الخلاص يبدأ عندما نفهم أن معركتنا الحقيقية ليست مع بعضنا، بل مع كل مشروع يريد تمزيقنا وإضعافنا وإبقائنا أدوات سهلة في يد الآخرين.
وأن التمزق لا يخدم إلا المستعمر، مهما غيّر وجهه أو لغته أو شعاراته.

الكلمات الدلالية