صنعاء 19C امطار خفيفة

عندما تعجز السياسة، تحضر الهوية -قراءة في صناعة الآخر

لم تولد فكرة هذا المقال من تأمل نظري مجرد، بل من نقاش عام دار حول مقال سابق لي عن التنافس الجيوسياسي بين العرب وإيران. ما كان لافتًا في ذلك النقاش لم يكن اختلاف الآراء بحد ذاته، بل السرعة التي تحوّل بها إلى استقطاب عاطفي حاد، يعكس قلقًا عميقًا يتجاوز موضوع النقاش نفسه. فقد انقسم المشاركون بين من يقرأ الصراع بلغة الدين والمذهب وكأنه دفاع عن وجود، ومن يحاول فهمه كصراع نفوذ ومصالح.


هذه الديناميكية ليست غريبة على السياق اليمني أو العربي عمومًا، حيث تتحول القضايا السياسية بسرعة إلى جدل هوياتي يمس تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية. لكن ما يثير الانتباه هو أن هذا النمط من التفكير لم يعد حكرًا على منطقتنا، بل يبدو، على نحو متزايد، كجزء من حالة أوسع يمكن وصفها بـ"القلق السياسي المعاصر".
من هنا يبرز السؤال، هل نحن أمام ظاهرة عالمية تتجاوز الخصوصيات الثقافية؟
ما نشهده ليس مجرد اختلاف في تفسير الأزمات، بل نمط سياسي متكرر تُستخدم فيه الهوية كبديل عن السياسة عندما تعجز عن تقديم حلول. ويتجلى هذا النمط بوضوح في سياقات مختلفة، لعل أبرزها الشرق الأوسط.
في الشرق الأوسط، اعتدنا أن تُلبس الأزمات السياسية ثوبًا دينيًا أو هوياتيًا، فتُختزل حسابات القوة المعقدة في خطاب عاطفي يصوّر الصراع كمعركة دفاع عن الهوية. وفي حالات مثل اليمن، يتوسع هذا الخطاب ليشمل الانقسامات المناطقية والنزعات الانفصالية، بحيث لا يبقى في حدود النخب، بل يتسلل إلى الحياة اليومية، ويعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية. وهنا لا يُكتفى بوصف الاختلاف، بل يُعاد إنتاجه سياسيًا عبر ما يمكن تسميته بـ"صناعة الآخر"، حيث يُقدَّم المختلف بوصفه تهديدًا دائمًا، حتى وإن كان هذا التهديد متخيّلًا أو مبالغًا فيه.
غير أن هذه الآلية لا تقتصر على منطقتنا. ففي العديد من المجتمعات الغربية، يتخذ النقاش العام مسارًا مشابهًا، وإن بلغة مختلفة. فبدل المذهب والدين، يتمحور الخطاب حول الهوية الثقافية، والهجرة، والخوف من التغيير الديموغرافي. وفي هذا السياق، لا يُقدَّم "الآخر"، كالمهاجر مثلًا، بوصفه ظاهرة اجتماعية مركبة، بل يُختزل في صورة رمزية تُحمَّل مسؤولية القلق العام، من تراجع الخدمات إلى فقدان الشعور بالأمان.
ويظهر ذلك بوضوح في صعود أحزاب شعبوية في دول أوروبية مثل المجر وبولندا، حيث يُعاد بناء الخطاب السياسي حول فكرة "حماية الهوية الوطنية" في مواجهة تهديدات خارجية، حقيقية أو متخيلة. كما يتجلى في نقاشات الهجرة في عدد من الدول الأوروبية، ومنها جمهورية التشيك، حيث يبرز التناقض بين محدودية حضور الهجرة فعليًا واتساع حضورها في الخطاب العام، إذ يُستخدم الخوف من التغيير الثقافي أحيانًا لتفسير أزمات تتعلق بالاقتصاد أو الثقة بالمؤسسات.
وقد تعزز هذا الاتجاه مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية، حيث برز خطاب "القلعة الأوروبية المهددة"، ولم يعد الحديث مقتصرًا على الأمن العسكري، بل امتد إلى الدفاع عن 'النموذج الحضاري" ذاته. ورغم اختلاف السياقات، فإن آلية التعبئة واحدة، تبسيط الأزمات المعقدة وتحويلها إلى سردية صراع بين "نحن" و"هم".
لكن اختزال هذه الظاهرة في بعدها الثقافي وحده يُفقدها عمقها الحقيقي. ففي كثير من الحالات، لا يكون خطاب الهوية سبب الأزمة، بل نتيجة لها. إذ تتغذى هذه السرديات على توترات اقتصادية واجتماعية أعمق، بطالة متزايدة، فجوات طبقية آخذة في الاتساع، وشعور عام بالتهميش وفقدان السيطرة. فالأزمة في جوهرها ليست أزمة هوية، بل أزمة إدارة وموارد تُعاد صياغتها سياسيًا كلغة خوف.
هنا تحديدًا يظهر ما يمكن وصفه بـ"وظيفة الخطاب الهوياتي"، فهو لا يفسّر الواقع بقدر ما يعيد توجيه الانتباه. فعندما تعجز السياسة عن الإجابة عن سؤال "لماذا نفشل؟"، يصبح من الأسهل طرح سؤال بديل: "من يهددنا؟". وبهذا المعنى، تتحول الهوية من إطار ثقافي إلى أداة سياسية لإدارة الفشل، حيث يُستبدل النقاش حول السياسات والخيارات الاقتصادية بسرديات الخطر والانتماء.
ضمن هذا الإطار، لا يعود "الآخر" مجرد طرف في الصراع، بل يصبح ضرورة سياسية. إذ يُستخدم وجوده، أو حتى صورته، لتماسك الجماعة الداخلية، ولتبرير العجز عن معالجة الأزمات البنيوية. وهنا تكمن قوة هذه السرديات، فهي بسيطة، عاطفية، وقابلة للتداول، ولا تتطلب جهدًا تحليليًا معقدًا.
ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، ازدادت فاعلية هذا النمط من الخطاب. فهذه المنصات لا تكتفي بنقل الآراء، بل تسهم في تضخيمها وتشكيلها، حيث تميل الخوارزميات إلى تعزيز المحتوى الأكثر إثارة للغضب والانقسام، لأنه الأكثر قدرة على جذب التفاعل. ومع الوقت، يتحول هذا الخطاب إلى الإطار المهيمن الذي يُعاد من خلاله تفسير الواقع. وبذلك لا تخلق هذه المنصات الخطاب فحسب، بل تسهم في تثبيته بوصفه التفسير الوحيد الممكن للواقع.
ومع ذلك، فإن التشابه في الخطاب لا يعني تطابق النتائج. ففي الشرق الأوسط، غالبًا ما يرتبط خطاب الهوية بصراعات مسلحة في ظل هشاشة الدولة وضعف المؤسسات. أما في الغرب، فيظهر هذا الخطاب أساسًا داخل المجال السياسي والانتخابي. أي أن أدوات التعبئة متشابهة، لكن مآلاتها تحددها قوة المؤسسات وقدرتها على امتصاص الصراعات.
ما نشهده اليوم، إذًا، ليس مجرد تحوّل في الخطاب السياسي، بل إعادة تشكيل لطبيعة المجال العام نفسه، حيث تتراجع لغة البرامج والمصالح لصالح سرديات مبسطة تُعيد تعريف السياسة بوصفها صراعًا هوياتيًا.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في صعود هذه السرديات، بل في ما تخلّفه من آثار على طريقة التفكير ذاتها. فعندما يُقدَّم الخلاف بوصفه صراعًا وجوديًا، يصبح النقد خيانة، والتفكير العقلاني ترفًا غير مرغوب فيه. وهكذا يتحول المجال العام من مساحة للنقاش إلى ساحة اصطفاف.
في النهاية، لا يبدو أن هذه الظاهرة ستتراجع مادامت جذورها الاقتصادية والاجتماعية قائمة. فطالما استمرت الأزمات دون حلول حقيقية، سيبقى من الأسهل سياسيًا تسويق الخوف بدل معالجة أسبابه. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط ما إذا كانت المجتمعات ستتجاوز هذه السرديات، بل ما إذا كانت قادرة أصلًا على استعادة لغة السياسة الواقعية، حيث تُناقش المصالح بدل الهويات، وتُعالج الأزمات بدل إعادة تعريفها.
المشكلة ليست في وجود "الآخر"، بل في الحاجة السياسية الدائمة لاختراعه. فحين تفشل السياسة، لا تختفي، بل تعود في صورة هوية.

الكلمات الدلالية