الحنين إلى الموسيقار ناجي القدسي ومجاذيب المكاشفية في صنعاء
تمر عليّ في نيروبي أيام ثقيلة ومركبة، تدفعني للبحث عن ملاذ في أزمان أخرى. في واحد من هذه الأيام، قادتني الذاكرة بعيدًا إلى طفولة تشكلت في اليمن، وتحديدًا في حضرة زاوية المكاشفية، زاوية أبينا الشيخ طارق أبو حسن.
زاويةٌ في قلب صنعاء، تقف بعيدةً للغاية عن الشكينيبة مركز شيخنا المكاشفي، إلا أن الشيخ طارق نقل ذلك العلم وتلك المحبة والتصوف، وزرعها في جبال اليمن البعيدة، فنمت ملاذًا مكتظًا بالسودانيين بمختلف أطيافهم؛ من معلمين أوائل أخذتهم سبل الغربة إلى فصول اليمن، إلى موجة المغتربين الثانية من الفارين من رعب نظام 89. حضرةٌ تتسع للسياسيين والمثقفين، والعباقرة، والفنانين، والبسطاء على حد سواء، تذوب اختلافاتهم، وتوحدهم المحبة، ويجمعهم الطريق. ناهيك عن اليمنيين أنفسهم ممن دخلوا هذه الزاوية، وتتلمذوا على أيدي مشايخها، وتشبعوا بهذا التصوف عالمي الطبع، سوداني اللغة، حتى "تسودنوا" تمامًا، وذابوا في هذا الخليط البشري المهيب.

قادني الحنين للنبش في أرشيف الإنترنت، أبحث عن أثر لتلك الأيام، فوجدت تسجيلات قديمة للزاوية. فجأة، رأيت أبي، شابًا مشيّخًا وقورًا وسيمًا، ثم لمحت طفلًا يركض بين صفوف الذاكرين والمجاذيب، وكنت أنا. لمحت أطفالًا آخرين، أيضًا شبّوا في أرض هذي الزاوية، وكنّا حينها لا نفترق، تعرفت منهم على حسن فيصل، وحسن طارق ولد أبينا الشيخ، وأولاد عمنا المرحوم حسن عفيفي. نلهو ونحوم، ونهيم ونصفق ونمدح، بينما ترتفع أصوات المديح الصافية التي صاغها الشيخ طارق في محبة النبي.
في تلك الفيديوهات المحتفظة بخشوعها، تطل وجوه أليفة ومألوفة شكلت وجداني الباكر. تسمع الصوت المهيب للمادح العظيم الشيخ عصام وهو يشق سكون الليل، وكانت صنعاء تبتهج وتبتهل لحضوره إليها. أرى خيلاني محمد وطارق، ولم يكن الشيب قد أشعل الرأس كله بعد، تلمح طيف الفنان التشكيلي المرحوم شيخنا علي الهادي، تشعر بحضور الشيخ نهرو، وترى وجه عمو فتحي، وأسمع صوته وهو يمزح معي مكاويًا: "قااااام شال الهدوم كلها". كانت أرواحنا تتشرب تلك الحالة الصوفية بسلاسة، حيث يذوب كل شيء في الحضرة وقطر الجيلان.
في غمرة هذا الانجذاب الصوفي، تسمَّرت عيناي على وجه لم أستوعب وزنه وأنا طفل. رجل يجلس بتواضع مطلق، يبدو كدرويش هائم مأخوذ بالوجد، يشبه دراويش الروايات القديمة والكتب المنسية.
لم أكن أعرف حينها أن هذا المجذوب البسيط الجالس بين تلاميذ الشيخ طارق، هو الموسيقار العبقري ناجي القدسي.
رحل القدسي وأنا مازلت طفلًا. في ذلك الوقت لم تكن علاقتي بالموسيقى السودانية قد تشكلت بعد. عندما كبرت وبدأت أستوعب تفاصيل المشهد، أصابني الذهول التام. من هو ناجي القدسي؟ هو العبقرية التي مشت على قدمين لتربط بين شواطئ البحر الأحمر. يمني الجذور، سوداني الوجدان، وعطبراوي النشأة والتكوين. كيف لهذا الدرويش الهادئ أن يكون هو ذاته الشاب الذي تشرب الموسيقى في المدينة العمالية، واستمع لباخ وبيتهوفن وشوبان، وبدأ يلحن لكبار شعراء السودان وهو لم يتجاوز العشرين من عمره؟ لقد صاغ وجداننا بألحان خالدة وعبقرية مثل "جسمي انتحل"، و"خلاص مفارق كسلا"، و"سلوى"، وغيرها من الروائع التي أسست لقفزة هائلة في شكل ومزاج الأغنية السودانية.
قادني الفضول للبحث أكثر، فعثرت على مقابلة نادرة له في قناة يمنية. استهلها، بقلب سوداني أصيل، بتوجيه التعزية للشعب في رحيل الفنان محمود عبدالعزيز. ثم غاص في سرد حكايته مع الموسيقى، حتى وصل إلى لحظة فارقة في تاريخ الفن والسياسة في السودان: قصة أغنية "الساقية".
عندما منحه الطيب عمر الدوش تلك القصيدة العظيمة، لم يتعامل معها القدسي كنص عادي. أخذ الكلمات ومشى بها إلى البحر، وعاد بعد يومين بلحن خالد ومتمرد. لم يكتفِ القدسي بالعبقرية الموسيقية، بل دمج الفن بالشارع، والموسيقى بالهتاف السياسي المباشر، وأضاف من عنده المقطع الذي زلزل الأرض وجلب المتاعب له، وللدوش، وللفنان حمد الريح الذي تغنى بها.
منذ أيام، وأنا أعيش بين عالمين. جسدي هنا، وروحي معلقة في تلك الزاوية باليمن، بينما يتردد في رأسي بلا توقف هتاف درويش يمني الملامح، سوداني الوجع، وموسيقار كسر هيبة السلطة بلحن:
"سكر ما في، سكر ما في.. راس نميري مطلب شعبي".