الحوثيون في اليمن: غياب محسوب أم تكتيك أمني؟
تُعد جماعة الحوثيون واحدة من أبرز الأذرع الإقليمية المرتبطة بـ إيران في الشرق الأوسط، وقد نجحت خلال السنوات الماضية في التحول من فاعل محلي داخل اليمن إلى لاعب ذي تأثير في معادلات الأمن الإقليمي.
لقد أثبتت الجماعة، في مراحل سابقة، قدرتها على تهديد الملاحة البحرية وخلق حالة من عدم اليقين في الممرات الحيوية، وهو ما يجعلها أداة فعالة في معادلة الردع. فتعطيل جزئي، أو حتى تهديد مستمر لحركة السفن في البحر الأحمر، لا ينعكس فقط على الأطراف المتحاربة، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأسره، ما يفتح الباب أمام ضغوط دولية متعددة المستويات.
وقد تجلّى هذا التحول عملياً خلال الحرب في غزة، حيث انخرطت الجماعة في عمليات استهداف السفن في البحر الأحمر، في خطوة هدفت إلى الضغط غير المباشر على إسرائيل وإرباك خطوط الإمداد المرتبطة بها. كما سعت جماعة الحوثيين إلى تسويق نفسها كجزء من جبهة إسناد للقضية الفلسطينية، عبر إطلاق تهديدات وضربات محدودة باتجاه إسرائيل، في محاولة لفرض حضورها ضمن معادلة الصراع.
غير أن هذا الحضور يطرح مفارقة لافتة في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، حيث يبرز سؤال جوهري: لماذا غابت جماعة الحوثيين عن الانخراط المباشر في هذا الصراع، رغم كونها أحد أبرز الفاعلين في السجل التصعيدي السابق المرتبط بحرب غزة وحرب الاثني عشر يوماً؟ هل نحن أمام حالة نأي بالنفس محسوبة، أم أمام تكتيك أمني ينتظر لحظة التفعيل؟
للإجابة على هذا السؤال، لا بد لنا من التوقف عند مقارنة وضع جماعة الحوثيين، من حيث الجغرافيا والقدرة، بالفاعلين المرتبطين بطهران، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق. حيث تتباين أدوار هذه الأطراف تبعاً لموقعها الجغرافي، ومدى تأثيرها وقدرتها على إحداث أثر مباشر في مجريات الأحداث المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية.
فحزب الله، من ناحية، يتموضع على حدود مباشرة مع إسرائيل، ما يجعل هامش المشاركة أكثر فاعلية وإمكانية إحداث أثر مباشر ومحسوب. أما الفصائل العراقية، فرغم عدم وجود تماس جغرافي مباشر مع إسرائيل، إلا أنها تتحرك ضمن نطاق القواعد الأمريكية، ما يمنحها القدرة على تنفيذ هجمات مباشرة تؤثر على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. بمعنى أن في الحالتين، هناك "مسرح عمليات واضح" يمكن التحرك فيه.
في المقابل، يتحرك الحوثيون ضمن جغرافيا مختلفة، تتمثل في باب المندب والبحر الأحمر، وهما شريانان حيويان للتجارة الدولية، وأي تصعيد في هذا النطاق لا يُفسَّر كعمل عسكري محدود، بل كتهديد مباشر للاقتصاد العالمي، ما يرفع مستوى الرد من الإطار الإقليمي إلى الدولي.
أما من الناحية العسكرية، فرغم تطور قدرات الحوثيين في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ، إلا أن بنيتهم العسكرية لا تزال محدودة، وعرضة لضربات مكثفة قد تُفقدهم جزءاً كبيراً من قوتهم خلال فترة قصيرة، على عكس حزب الله الذي يمتلك بنية عسكرية أكثر تماسكاً ،واكثر خبرة في ادارة الحروب.
وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن إيران تعتمد حزب الله كخط ردع أمامي مع إسرائيل، في حين تمثل الفصائل العراقية، مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، أداة ضغط مستمر على الوجود الأمريكي، أما الحوثيون، فيمثلون ورقة استراتيجية مرتبطة بأمن الملاحة الدولية.
بناء على هذه المعادلة يتبلور لنا مسارين متوازيين لتفسير غياب الحوثيين فإما أنه غياب محسوب يهدف إلى تجنب انخراط عسكري غير مضمون النتائج باعتباره قراراً استراتيجياً قائماً على حسابات دقيقة للمخاطر والعوائد، قد يهدد مكاسبهم المتراكمة على مستوى التمكين العسكري والأمني داخل اليمن -المنهك اقتصاديا وسياسيا- ، ويعرض توازناتهم الهشة لاختلالات خطرة قد تعيدهم الى نقطة الصفر، أو أنه تموضع تكتيكي واعٍ يندرج ضمن استراتيجية أوسع تقودها إيران، يتم فيها تأجيل تفعيل هذا الدور إلى مرحلة لاحقة، حيث يمكن توظيفه بأقصى قدر من التأثير كأداة ضغط إقليمي عند الحاجة، لا في مواجهة مبكرة.