هل تخضع إيران أم تتراجع أمريكا؟
في خضم التصعيد العسكري المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، عادت المقاربات السياسية إلى الواجهة عبر طرح ما يُعرف بخطة "الـ15 بندًا" المنسوبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مقابل حزمة مطالب إيرانية مضادة يُقال إنها تتضمن خمسة شروط رئيسية لوقف الحرب. ورغم غياب نصوص رسمية كاملة منشورة لكلا المقترحين، فإن ما تسرب عبر مصادر دبلوماسية وإعلامية يسمح برسم صورة عامة لطبيعة الصراع وشروط التهدئة المحتملة.
تتمحور الخطة الأمريكية حول إعادة تشكيل السلوك الاستراتيجي لإيران بشكل جذري، خاصة في ما يتعلق ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. أبرز هذه الشروط تتضمن وقفًا كاملًا لتخصيب اليورانيوم، وتسليم المخزون المخصب، وإخضاع المنشآت النووية لرقابة دولية صارمة، بل وتفكيك أجزاء رئيسية من البنية النووية. كما تشمل تقليص برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف دعم أذرعها المسلحة في المنطقة، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. في المقابل، تلوّح واشنطن بإمكانية رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية، وربما تقديم حوافز اقتصادية في حال الالتزام الكامل.
على الجانب الآخر، تبدو الشروط الإيرانية مرتكزة على مبدأ السيادة ورفض الإملاءات الخارجية. إذ تطالب طهران برفع كامل وفوري للعقوبات، والحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها نتيجة الحرب، إضافة إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. كما تصر على الحفاظ على برنامجها الصاروخي باعتباره عنصرًا دفاعيًا غير قابل للتفاوض، وترفض أي قيود جوهرية على دورها الإقليمي. وتطالب كذلك بضمانات أمنية واضحة تحول دون تكرار الهجمات، خاصة من قبل إسرائيل.
عند مقارنة الطرحين، يتضح أن الفجوة بينهما ليست تقنية فحسب، بل هي فجوة في الرؤية الاستراتيجية. فالولايات المتحدة تسعى إلى تقليص شامل لقدرات إيران العسكرية والإقليمية، بينما ترى إيران أن هذه القدرات تمثل جوهر أمنها القومي ونفوذها السياسي. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: أي الطرفين قد يكون أقرب إلى القبول بشروط الآخر في ضوء مجريات الحرب؟
الإجابة تعتمد بدرجة كبيرة على ميزان القوى على الأرض. فإذا استمرت الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران بوتيرة مرتفعة، فقد تجد نفسها مضطرة لتقديم تنازلات جزئية، خاصة في الملف النووي، مقابل تخفيف العقوبات. في المقابل، إذا تمكنت من الصمود أو فرض كلفة عالية على خصومها، فستتمسك بمواقفها الحالية، بل وقد تفرض شروطًا أكثر تشددًا. أما الولايات المتحدة، فرغم امتلاكها أدوات ضغط واسعة، إلا أنها تواجه بدورها قيودًا سياسية داخلية ودولية قد تدفعها إلى قبول تسوية أقل من أهدافها القصوى.
في هذا السياق، يمكن تحديد عدد من النقاط التي قد تشكل أرضية مشتركة محتملة للتفاوض. من أبرزها وقف إطلاق النار المؤقت، وعودة نوع من الرقابة الدولية على البرنامج النووي دون تفكيكه الكامل، إضافة إلى تخفيف تدريجي للعقوبات مقابل التزامات محددة. كما قد يكون هناك مجال لاتفاقات جزئية حول أمن الملاحة في الخليج.
في المقابل، تبقى هناك نقاط شديدة الحساسية يصعب التوصل إلى توافق بشأنها. على رأسها برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، الذي تعتبره طهران خطًا أحمر، وكذلك مسألة النفوذ الإقليمي ودعم الحلفاء، وهي عناصر ترى فيها إيران امتدادًا لنفوذها الاستراتيجي. ومن الجانب الأمريكي، يبدو أن مطلب "التفكيك شبه الكامل" للبرنامج النووي يمثل شرطًا يصعب التراجع عنه دون خسارة سياسية كبيرة.
خلاصة القول، إن أي اتفاق محتمل لن يكون نتيجة قبول كامل لشروط أحد الطرفين، بل سيكون على الأرجح تسوية وسطية تفرضها موازين القوى وتكلفة استمرار الحرب. وحتى ذلك الحين، ستظل هذه الشروط، سواء كانت 15 أو 5، تعكس سقوفًا تفاوضية أكثر مما تمثل حلولًا قابلة للتطبيق الفوري.