"أنصار الله" ووزير مالية فاشل.. استبدال الراتب بنصف راتب وربع راتب.
إن هذا الواقع المرير الذي نعيشه لا يفسر لنا حقيقة مصادرة الراتب فحسب، بل يكشف غياب الحد الأدنى من مقومات ما تبقى من معنى الدولة في عقل ميليشيات صنعاء؛ ذلك أن الدولة مفهوم حضاري وقانوني، أما الميليشيات الحوثية فهي شيء آخر مختلف تمام الاختلاف، لا علاقة لها بمعنى النظام، ناهيك عن مفهوم الدولة.
طيلة عشر سنوات مريرة وقاسية، ممتزجة بالألم والموت، وموظفو الدولة محرومون من حقهم الطبيعي في الراتب تحت ذريعة "مواجهة العدوان"، رغم أن جريمة عدم صرف رواتب الموظفين الفقراء هي جريمة تفوق في بشاعتها أي عدوان شهدته البشرية عبر التاريخ.
إن عائلة الأسد (الأب والابن) في سوريا، رغم ما عرف عنها من فساد، ورغم الحصار الحقيقي وتداعيات قانون "قيصر" على حكمهما، كانت تصرف رواتب موظفي الدولة القابعين في المناطق التي تقع تحت سلطة "أبو محمد الجولاني" (أحمد الشرع) اليوم.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف ستواجه "العدوان الخارجي" وجبهتك الداخلية (الاجتماعية والوطنية) مفككة وممزقة؟ وكيف ستصمد وأنت تمارس تفقيرًا وتجويعًا منظمًا وممنهجًا على كافة شرائح المجتمع الفقيرة؟!
منذ أكثر من عقد من الزمان، ورواتب الموظفين مصادرة، وغالبيتهم العظمى فقراء لا يملكون مصدر دخل سوى هذا الراتب الذي تآكلت قيمته النقدية والشرائية. هؤلاء موظفون شرفاء، لم يعتادوا مد أيديهم للمال الحرام ولا للسحت، سواء من الداخل أو الخارج، وترفعوا عن الأكل من "موائد اللئام"، واليوم يجدون أنفسهم في ظل الميليشيا الحوثية يترنحون على حافة الجوع والموت.
لم تسأل الجماعة الحوثية "أنصار الله" نفسها قط: كيف يعيش مئات الآلاف من الموظفين وأسرهم ورواتبهم مصادرة قهراً وظلماً؟ إنهم يسوقون ذرائع واهية حول عدم التمكن من صرف الراتب، لا يصدقها حتى من يطلقها، في حين تعيش قياداتهم وأسرهم وزبانيتهم في رفاهية مفرطة وفائضة عن الحاجة. يتاجرون في الأراضي بنهم محموم، ويشيدون العقارات الضخمة في كل المناطق الخاضعة لسلطتهم، ويراكمون الأرصدة في الداخل وفي الخارج مما ينهبونه من أموال الدولة وأملاك الناس.
إنهم يتفاخرون بشراء أغلى أنواع "القات"، كما يراهم الناس في الأسواق؛ حيث يبلغ ثمن القات لواحد منهم ما يعادل راتب موظف كان يُحسب يوماً على الطبقة الوسطى التي أبادوها. أما نفقات سياراتهم من وقود وصيانة، فتصل إلى أرقام خيالية يومياً، ناهيك عن حراساتهم المدججة بالسلاح والقات؛ وهذا غيض من فيض في الجانب الاستهلاكي الظاهري فقط.
وقد سلطت العديد من الكتابات - وما تزال - الناقدة الضوء على هذا النهب الممنهج للرواتب، وعلى الفوضى والخراب اللذين تزرعهما الجماعة الحوثية في حياة المواطنين، بما في ذلك كتابات وتصاريح وتقارير لأعضاء كرام في مجلسي النواب والشورى.
وإذا ما تساءلنا: كم تبلغ صرفياتهم على أسرهم؟ فكل واحد منهم لديه أكثر من زوجة وأكثر من مسكن. كم هي تكاليف أكلهم وشربهم اليومية؟
إن أي عملية حسابية أولية ستكشف عن أرقام فلكية تثير الدهشة والغضب، صادرة عمن يزعمون أنهم أبطال "المسيرة القرآنية"، هذا بالإضافة إلى فواتير الكهرباء لمنازلهم الفخمة وممتلكاتهم (العلنية والسرية)، وتكاليف المياه والغاز والإنترنت، ومصاريف مدارس أبنائهم وبناتهم الذين يدرسون في مدارس خاصة داخل البلاد وخارجها، فضلاً عن تكاليف الأدوية والفحوصات الطبية التي بلغت أسعارها عنان السماء.
كل هذه المتطلبات يا إخوتنا في الوطن والدين، هي قضايا يموت بسبب العجز عن توفيرها المئات من موظفي الدولة يومياً؛ أولئك الفقراء الذين صودرت رواتبهم، من أبناء الشعب الجائع المشرد والنازح.
هؤلاء يقعون تحت سلطتكم، ومن المفترض أخلاقياً وسياسياً وقانونياً ووطنياً ودينياً أن يكونوا تحت رعايتكم وحمايتكم "القرآنية" الواجبة وفقاً لشعاركم. ومن حقهم عليكم توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، طالما أنكم اخترتم عبر انقلابكم المشؤوم في 21 سبتمبر 2014 - سيئ الصيت - أن تتحملوا مسؤولية إدارة السلطة والدولة في المناطق الخاضعة لكم.
ولكن كيف يحدث هذا وأنتم لا تقرّون لهم بأي حق في الراتب، بل ولا في أدنى حدود العيش الكريم؟ بل وتعتبرون مطالبتهم بنصف راتب وقوفاً في صف العدوان الخارجي، وذلك وفق مفهومكم الخاص جداً والمخترع لمعنى العدوان؛ إذ بات "عدوانكم الداخلي" واستعماركم للمجتمع يفوق في وحشيته ما تصفونه بـ "العدوان الخارجي".
في ظل حكمكم "القرآني" المزعوم، وعلى مدار عشر سنوات عجاف، عادت ظاهرة الهجرة التاريخية القسرية التي عرفها اليمنيون في عهد "الأئمة" (أجدادكم) من جديد، ولكن هذه المرة بصورة أوسع وأخطر، تهدد تماسك المجتمع وتطوره الاقتصادي. إن أكثر من 95% من رأس المال الوطني الخاص قد غادر البلاد هرباً من الجبايات والمكوس التي تُفرض خارج نطاق القانون، وهي جبايات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا توصيف لها سوى أنها نهب رسمي ومنظم للممتلكات العامة والخاصة. هذا بعد أن أقدمتم على نهب ودائع المواطنين في جميع البنوك الخاضعة لسيطرتكم.
حتى المنظمات الدولية الإنسانية التي تدعم المجتمع لتخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية والمعيشية للناس، لم تسلم من مضايقاتكم ومصادرة أموالها؛ بل وصل الأمر إلى تعرض موظفي الأمم المتحدة (المحميين دولياً) للقتل والسجن، ولم تجدِ نفعاً مطالبات الأمين العام للأمم المتحدة والهيئات الدولية للإفراج عنهم. هذه ظاهرة لم يسبقكم إليها أحد، ولم يعرفها ولن يعرفها العالم قبلكم وبعدكم، وهي "ماركة حوثية قرآنية" مسجلة باسمكم الخاص.
أنتم تطالبون المنظمات الدولية بمقاسمة الفقراء في الأموال المخصصة للغذاء والطفولة، حتى اضطر الكثير منهم لمغادرة البلاد وإيقاف دعمهم للمحتاجين الذين أفقرتموهم وتخليتم عن مسؤوليتكم تجاههم. بل ووصل بكم الأمر إلى نهب مرتبات موظفي الشركات الخاصة بالقوة تحت مسمى "الزكاة"، لتنتزعوا اللقمة من أفواه العائلات والأطفال وتمنحوها لأتباعكم ومحاسيبكم/ "المجاهدين".
أية زكاة هذه التي ليست إلا وجهاً آخر للصوصية والسرقة؟
لقد تحولت "الزكاة" من ركيزة دينية إلى وسيلة للنهب والفيد، وصارت المناسبات الدينية كالمولد النبوي، ورأس السنة الهجرية، وشهر رمضان الكريم، مواسم للسرقة الممنهجة.
لقد تفوقتم على الإمامة التاريخية بمسافات ضوئية، بعد أن أنشأتم "حكومة فساد" تمثلكم وتمارس النهب باسم المقدسات وبأوراق رسمية.
ويتربع اليوم على عرش وزارة المالية وزير فاشل وفاسد وجاهل، يفتقر للخبرة والكفاءة اللازمة لقيادة وزارة بهذه الحساسية؛ وزارة ترتبط مباشرة بحياة الناس ومصالحهم. وزير لا يفقه شيئاً في الإدارة أو المال أو الاقتصاد، وكل ما يجيده هو ترديد "شعار الصرخة الإيرانية"، وكأن هذا يكفي لشغل أخطر منصب وزاري.
يقول المتصوفة: "تكلم حتى أراك"، لإدراكهم أن الكلمة مسؤولية أدبية وأخلاقية عظيمة. والقرآن الكريم - يا جماعة المسيرة الزائفة - نزل معلناً عن نفسه باسم "اقرأ"، والقراءة تقتضي الكتابة والبيان وقول الحق. ولكن ما إن يتحدث وزير المالية الحالي (الجرموزي) وأمثاله في فيديوهاتهم، حتى تكتشف غياب العقل والمنطق؛ يبدو أنه يتحدث قبل أن يفكر. تكتشف مع الأسف أنك أمام شخص جاهل بكل معنى الكلمة، شخص لا يجيد التعبير بمنطق الموظف الإداري الفاهم، بل أمام شخص لا يقيم للكلمة وزناً ولا يدرك مسؤوليتها، يلقي بالقول على عواهنه وكأنه يثبت فقط أنه كائن حي يتنفس ويدب على الأرض، والغريب أن هذا الكائن الخرافي لا يثير حفيظة من نصّبوه وزيراً!
إن الوزير المعني قد ابتذل المنصب بهيئته وممارساته الفاضحة.
لقد ثار الناس في انتفاضة 11 فبراير 2011 ضد نظام علي عبد الله صالح والرواتب تصرف كاملة في موعدها مع الحوافز، وكانت العاصمة والمدن مدججة بالمعسكرات والحرس الجمهوري، وثاروا فقط بسبب محاولته توريث الجمهورية في الأبناء والأحفاد. واليوم، تأتي الجماعة الحوثية باسم زعمهم بـ "الحق الإلهي" و"الولاية" - وهو اختراع أيديولوجي ماضوي يناقض القرآن الداعي للمساواة، وللأفضلية بالتقوى - لتريد إعادة إنتاج "العبودية القهرية"، وتحويل شعب حر إلى عبيد يشتغلون بالسخرة لخدمة "الجماعة المقدسة".
من الواضح أننا أمام جماعة تريد توريط "الإخوة الهاشميين" الكرام، وهم جزء أصيل من نسيجنا الاجتماعي والوطني، في لعبة سياسية ومذهبية قذرة لا تحمد عقباها.
إن المعطيات تؤكد أن الجماعة الحوثية لا علاقة لها بالعقل أو الدين الصحيح، كما لا صلة لها بالوعي التاريخي؛ وإلا كيف يتوهمون في القرن الحادي والعشرين أن بإمكانهم حكم اليمنيين بعقلية القرن الثالث الهجري ودعاوى "الهادي يحيى بن الحسين الرسي"؟
أتمنى من الحوثيين ألا يراهنوا على أمرين متناقضين: أولاً قوتهم العسكرية، فللقوة حدود تتوقف عندها، والصدور العارية هي التي أسقطت الطغاة الذين راهنوا على البطش رغم امتلاكهم لشرعية سياسية ووطنية أكبر من الجماعة الحوثية. والأمر الثاني: ألا يراهنوا على "صمت المجتمع"، فهو صمت مؤقت ومكبوت، سينفجر حتماً في وجه الجميع، ولن تكسر حسابات القوة إرادة شعب جائع ومظلوم.
الرهان على القوة، وعلى وزراء لا يفقهون معنى النظام والقانون، ويحتقرون في أعماقهم معنى وجود الدولة، مثل وزير ماليتكم الذي يتجرأ على رفض أوامر رئيس وزرائه بتشجيع منكم، هو الطامة الكبرى.
لقد فبركت أجهزة سلطتكم في صنعاء ما سمي بـ "الآلية التنفيذية لصرف الراتب"، وقسمت الموظفين إلى فئات (أ، ب، ج) في بدعة إدارية لم يسبقكم إليها أحد في العالم، وكأنكم تعيدون اختراع العجلة بتمييز فج. فبينما تُحرم العديد من المؤسسات من حقوقها، تستلم الهيئات السياسية (مجلس النواب، الشورى، المجلس السياسي، مجلس الوزراء) رواتبها كاملة مع حوافز خيالية و"بترولار"، فقط لأنها في خدمتكم وتشرعن عنفكم وجرائمكم ضد المجتمع.
لقد صنفتم مؤسسات إيرادية كبرى كأنها فئات عاجزة، بينما المؤسسات التعليمية (التعليم الأساسي)، ومراكز البحوث والمؤسسات التعليمية المختلفة تعاني من إهمال مقصود؛ وكأن هناك رغبة دفينة لتصفية العلم والتعليم العام والتعليم العالي والاستعاضة عنها بـ "ملازم السيد" وبدوراتكم المذهبية/ الطائفية التي تفرضونها قهراً، وكأن "السيد الحوثي" قد قال في ملازمه فصل الخطاب وكفى!
والأنكأ من ذلك، أن مؤسسات إيرادية ضخمة مثل "الكهرباء" كان يصرف لموظفيها نصف راتب ونصف حافز شهرياً، ثم قُطع منذ شهرين ليصرف وفق هوى القيادة/ المؤسسة، وحين احتج الموظفون سلمياً واجهتموهم بالأطقم العسكرية والاعتقالات، بينما تنعم قيادة المؤسسة بحوافز تفوق رواتب الموظفين مجتمعة.
إن هذا السلوك يثبت غياب العقل الإداري والدستوري، والرغبة في فرض قانون عنجهية الميليشيات بدلاً عن النظام والقانون، وكلها محاولات جدية لتصفية ما تبقى من شكل الدولة لصالح "سلوك الميليشيات". هل هذا سلوك يؤهلكم لمواجهة ما تسمونه بـ "العدوان الخارجي"؟!!.
تتحدثون عن الزكاة، والناس يموتون جوعاً، والجبايات طالت حتى "الصرف الصحي"؛ حيث أصبحت فاتورته تضاهي فاتورة الماء، في ظاهرة فريدة لم تعرفها حتى أكثر الجماعات تطرفاً. لقد وصلت جباياتكم إلى الباعة المتجولين.
لم يتبقَ أمام الناس سوى بيع أولادهم في سوق النخاسة ليدفعوا لكم الزكاة، مع أن الإسلام العظيم جعل الزكاة للفقراء والمساكين... إلخ.
توقفوا عن العبث بحياة ومصائر الناس: أكلهم وعيشهم وشربهم وسكنهم ورواتبهم، بعد أن تحول الراتب المصادر منذ عشر سنوات إلى نصف راتب كل ثلاثة أو خمسة أشهر، بل وإلى ربع راتب كما تم مع المعلمين، وهو موقف سياسي وأيديولوجي ضد التعليم عموماً، استمراراً لنهج الأئمة في تجهيل المجتمع.
فلا تراهنوا على فائض القوة العسكرية والأمنية التي بحوزتكم، فحدود أي قوة مهما بلغ جنونها وعنفها ستقف في اللحظة التاريخية الحاسمة عند حد، هذا ما تقوله تجارب السياسة والسلطة في كل التاريخ العالمي، فصمت الناس وصبرهم مؤقت وليس إلى ما لا نهاية.