القَبِيلِيّ (د)
أثارت قضية المواطن الخُروقة (الدوشان) مسألة مهمة تتعلق بموقع القبيلة في البنية الاجتماعية والسياسية، وعلاقتها بالدولة، فضلًا عن موقف النخب الأكاديمية منها. غير أنّ ما استوقفني واستفزني في الوقت نفسه هو موقف بعض الأكاديميين وحملة الشهادات العليا من هذه الحادثة؛ إذ ظهر أستاذ جامعي متقمِّصًا دور "القَبِيلِيّ" المدافع عن القبيلة، في مواجهة شخص اعتُبر -في نظره- منتهكًا لأعرافها ومتجاوزًا لمكانته الاجتماعية ودوره في القبيلة. وقد بلغ هذا التصوّر حدّ تبرير خطاب يطالب ذلك الشخص باعتذار علني مهين، وصل إلى حدّ تقديم أطفاله بوصفهم قرابين فداء واعتذار للقبيلة.
يبدو أنّ هذا الأكاديمي لم يرَ في الواقعة ما يستدعي التوقّف الأخلاقي والحقوقي، وركّز على ما اعتبره انتهاكًا لحرمة ومكانة القبيلة، متجاهلًا واجبه -بوصفه مثقفًا- في الدفاع عن الفرد الضعيف، وعن براءة الطفولة التي جرى الزجّ بها في سياق عقابي رمزي قاس يتعارض مع حقوق الإنسان والطفولة على وجه التحديد. وهنا تتجلّى المفارقة، إذ ينقلب موقع المعرفة الأكاديمية من أداة نقد للواقع السيئ وتحرير للعقل من الخرافة والجهل ودفاع عن قيم العدالة والمساواة إلى وسيلة تبرير وإعادة إنتاج لخطاب الهيمنة القبلية خاصة وقد بدا ذلك الأكاديمي أكثر حدة وتهديدًا في ترافعه عن القبيلة، وتحذيره لذلك الشخص الضعيف. صحيح أنّ القبيلة ليست مجرد رابطة دم أو نسب، وإنما نسق معقّد من الرموز والقيم وأنماط التضامن التي تتجدّد باستمرار. فهي تحتفظ بقدر ملحوظ من المرونة، وتمتلك قدرة على إعادة التموضع في مواجهة تحوّلات الدولة والمجتمع. وفي كثير من الأحيان تنخرط في تحالفات مع المذاهب أو الأيديولوجيات المختلفة بما يسمح لها بإعادة إنتاج ذاتها في صيغ جديدة أكثر قابلية للتكيّف. غير أنّ هذا الفهم، على أهميته، لا يبرّر انحياز بعض الأكاديميين إلى خطاب يُغَلِّب الولاء القبلي على القيم المدنية والحقوق الفردية. فالمثقف، بحكم موقعه المعرفي، مدعوّ إلى الانتصار لمبادئ العدالة والمواطنة، لا إلى تكريس البنى القبلية التقليدية بوصفها مرجعية نهائية لا تُمسّ. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة هذا الموقف بوصفه تعبيرا عن صراع داخلي بين انتماء ثقافي -وربما عاطفي- إلى البنية القبلية، وبين الالتزام بالموقف النقدي لممارساتها وتقاليدها الخاطئة الذي يُفترض بالمثقف أن يتبنّاه إزاءها.
ولعلّ هذه الحادثة تكشف، على نحو أعمق، هشاشة وتعثر الانتقال في اليمن من القبيلة إلى الدولة، حيث لاتزال الأولى حاضرة بقوة في الوعي والممارسة، حتى لدى من يُفترض أنهم الأكثر قدرة على نقدها وتجاوزها. وهو ما يفتح الباب أمام سؤال جوهري: إلى أي مدى نجحنا فعلًا في ترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه إطارًا جامعًا يتقدّم على الانتماءات الضيّقة، ويضمن حماية الفرد وكرامته، بصرف النظر عن موقعه داخل البنى الاجتماعية التقليدية أو خارجها؟