وثيقة النقاط الـ 15 ومسارات الصراع مع إيران - تقدير موقف
تكشف التسريبات التي نشرتها القناة 12 الإسرائيلية حول ما قيل عنها وثيقة النقاط الخمس عشرة عن محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك مع إيران على نحو يتجاوز الأطر التفاوضية التقليدية، لجهة مقاربة تستهدف إعادة هندسة عناصر القوة الصلبة للدولة الإيرانية، التي راكمتها خلال العقود الماضية، وفي مقدمتها البنية النووية وشبكات النفوذ الإقليمي.
وتكتسب هذه الوثيقة المسربة – إن صحت – أهميتها من كونها تعكس تصورا استراتيجيا متكاملا لإعادة ترتيب توازنات القوة في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل دلالاتها تتجاوز حدود الملف النووي لتطال بنية النظام الإقليمي وأمن الممرات البحرية الحيوية.
فالمطالب المتعلقة بإخراج منشآت نطنز وأصفهان وفوردو من الخدمة وتدميرها، إلى جانب فرض قيود شاملة على التخصيب ونقل المواد النووية، تشير إلى مقاربة تتجاوز نماذج الاحتواء السابقة نحو إعادة هندسة شاملة لقدرات الدولة الإيرانية في هذا المجال.
ويمتد هذا التصور إلى المجال الإقليمي عبر البنود المرتبطة بتفكيك شبكة "الوكلاء" ووقف تمويل وتسليح الفاعلين الموالين، وهو ما يعكس إدراكا متزايدا لدى الأطراف المنخرطة في هذا المسار بأن شبكة النفوذ التي بنتها طهران تمثل أحد أهم أدواتها في إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية مضاعفة إذا ما قرئت في سياق التحولات التي شهدتها بعض ساحات النفوذ التقليدية، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة إعادة توزيع للأدوار داخل هذه الشبكة، وليس مجرد تفكيكها بصورة ميكانيكية.
وفي هذا الإطار، يكتسب البند المتعلق بضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحا دون أي تعطيل دلالة استراتيجية تتجاوز طابعه الفني، إذ يعكس تصورا يرى في أمن الممرات البحرية حجر الزاوية في استقرار النظام الإقليمي.
ومن هذا المنظور، يتكامل مضيق هرمز مع مضيق باب المندب ضمن منظومة واحدة تتحكم في تدفقات الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، ليصبح تأمين أحدهما مرتبط عضويا بتأمين الآخر، خاصة في ضوء التجارب التاريخية التي أظهرت قدرة هذه الممرات على التأثير المباشر في موازين الصراع، كما حدث خلال حرب أكتوبر 1973 بين مصر وإسرائيل.
وعلى هذا الأساس، ورغم غياب أي إشارة صريحة إلى اليمن في بنود الوثيقة، فإن منطقها الاستراتيجي يمتد إليه بصورة مباشرة، بحكم موقعه الحاكم على باب المندب ودوره في معادلة الأمن البحري.
فالبنود المتعلقة بإعادة ضبط شبكات التسليح والتمويل الإقليمي تنعكس بالضرورة على الفاعلين المحليين المرتبطين بهذه الشبكات، وجماعة الحوثي أحد أهم الفاعلين، كونها طرفا يمتلك قدرة فعلية على التأثير في أمن الملاحة في باب المندب.
وهذا يفتح المجال أمام تحولات محتملة في توازنات القوة داخل اليمن، سواء على مستوى القدرات العسكرية أو على مستوى إعادة تشكيل البيئة السياسية.
وبهذا المعنى، يتكرس موقع اليمن مرة أخرى بوصفه حلقة مركزية في معادلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط، إذ يتقاطع المسار الداخلي للصراع مع التحولات الكبرى في بنية النظام الإقليمي وأمن الممرات البحرية الدولية.
لكن في مقابل هذا التصور، تتجه قراءات أخرى إلى التعامل مع الوثيقة المسربة بوصفها تعبيرا عن مقاربة ضغط قصوى أقرب إلى فرض شروط إعادة صياغة شاملة لسلوك إيران.
وتذهب بعض التقديرات إلى توصيفها ضمنيا باعتبارها شروط ذات سقف مرتفع يصعب مواءمته مع حسابات الدولة الإيرانية ومحددات أمنها القومي.
ويستند هذا الاتجاه إلى خبرة تراكمية في العلاقة مع الولايات المتحدة، خاصة بعد التحولات التي شهدها مسار الاتفاق النووي، حيث عززت تلك التجربة داخل دوائر صنع القرار في طهران قناعة مفادها أن الضمانات الدولية تظل رهينة للتقلبات السياسية، الأمر الذي يعيد توجيه التفكير الاستراتيجي نحو أدوات ردع أكثر استقلالا وثباتا.
في هذا السياق، يبرز احتمال أن تؤدي الضغوط المتصاعدة إلى نتيجة معاكسة للأهداف المعلنة، بحيث تدفع نحو ترسيخ موقع البرنامج النووي داخل العقيدة الأمنية الإيرانية بوصفه ركيزة ردع لا مجرد ورقة تفاوض.
وتستند هذه المقاربة إلى منطق يرى في امتلاك القدرة النووية – أو الوصول إلى عتبتها – وسيلة لإعادة ضبط ميزان القوة مع الخصوم، خصوصا في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من السيولة الاستراتيجية والتنافس المفتوح مع إسرائيل.
بيد أن هذا المسار يحمل في طياته تداعيات أوسع، إذ يفتح المجال أمام إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي على أساس توازنات ردع عالية الحساسية، بما قد يقود إلى ديناميات سباق تسلح تتجاوز الإطار الإيراني لتشمل قوى إقليمية أخرى، وهو ما يمنح هذا الملف بعدا بنيويا يتصل بمستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط ككل، وليس فقط بمآلات المفاوضات بين الأطراف المعنية.